في سهرة عائلية، بعد سنة صعبة لم يخبر فيها أحدًا بما مرّ به، يسمع سؤالًا بريئًا: "لماذا وجهك عابس؟ افرح قليلاً، الحمد لله الجميع بخير". يبتسم رغم إرهاقه، ويشارك النكتة، ويؤجل حزنه إلى لحظة أخرى لا يراه فيها أحد. في المساء، يفتح هاتفه فتطالعه صور أصدقاء في عطلة، بتعليق "الحياة جميلة!". يغلق الشاشة، ويسأل نفسه بصمت: هل عليّ فعلًا أن أكون سعيدًا الآن، أم يكفي أن أكون صادقًا مع ما أشعر به؟
هل السعادة واجب أخلاقي يُلزمنا أن نبدو بخير طوال الوقت، أم أنها حق يمكن أن نغيب عنه أحيانًا دون أن نشعر بالذنب أو التقصير؟
في التقليد الفلسفي الكلاسيكي، لا تعني "السعادة" ابتسامة أو متعة عابرة. عند أرسطو في "الأخلاق النيقوماخية"، وعند الفارابي في "تحصيل السعادة"، ترتبط السعادة بما يسمى أحيانًا "الحياة الطيبة" أو الغاية القصوى (اليودايمونية eudaimonia): اكتمال ما يستطيع الإنسان أن يصير إليه، لا مجرد شعور مريح يزول بزوال سببه. بهذا المعنى، السعادة سؤال عن طبيعة الحياة الحسنة وسبل بلوغها، لا حالة مزاجية يومية.
لكن فيلسوفًا آخر، هو الفرنسي إميل شارتييه المعروف باسم "ألان"، صاغ في كتابه "أقوال في السعادة" (Propos sur le bonheur) موقفًا أكثر جرأة: السعادة واجب تجاه الذات والغير. فكرته أن المرء لا يمنح ما لا يملكه؛ فمن يحمل تعاسته دون أن يحاول تدبيرها ينقل ثقلها -بصمته أو بتوتره- إلى من حوله. الواجب هنا ليس أن "تكون" سعيدًا بأمر، بل أن تبذل جهدًا لصنع سعادتك بقدر ما تستطيع، لأن هذا الجهد يمتد أثره إلى الآخرين.
غير أن هذا الطرح، إذا أُخذ حرفيًا، ينقلب بسهولة إلى ضغط خفي: إن لم تكن سعيدًا، فأنت مقصّر. وهذا ظلم بيّن؛ فلا أحد يختار خسارة أو قلقًا قاهرًا أو هشاشة اقتصادية أو عزلة اجتماعية، وليست كل تعاسة نتيجة سوء تدبير فردي كما توحي أحيانًا ثقافة "التنمية الذاتية" التي تحوّل كل ألم إلى فشل في الإرادة. ثمة ظروف مادية وسياسية وعائلية تصنع جزءًا كبيرًا من مزاجنا وإمكاناتنا، خارج إرادتنا المباشرة.
ويذهب الفيلسوف الفرنسي المعاصر ألان باديو في اتجاه مختلف تمامًا يعزّز هذا التحفظ: فهو يميّز بين سعادة حقيقية وأخرى زائفة يبيعها المجتمع الاستهلاكي على شكل "إشباع رغبات لا تنتهي". بحسب هذه القراءة، السعادة التي تُعرض علينا يوميًا عبر صور استهلاكية جاهزة ليست إلا محاكاة للسعادة، بينما تتطلب السعادة الحقيقية مواجهة الحقيقة لا الهروب منها. فإذا كانت "السعادة المعروضة" نفسها زائفة، فإن مطالبة الناس بأدائها كواجب يومي تصبح مطالبة بالكذب لا بالفضيلة.
يعيش كثيرون في مدننا العربية هذا التوتر يوميًا: في التجمعات العائلية حيث يُنتظر من الجميع أن "يبدوا بخير" احترامًا للمناسبة، وعلى منصات التواصل حيث تتحول السعادة إلى صورة قابلة للعرض -سفر، إنجاز، جسد مثالي، علاقة سعيدة- أكثر مما هي تجربة معيشة. وقد رصدت جهات ثقافية عربية هذا المأزق بلغة الصورة لا الخطابة؛ إذ يقدّم فيلم قصير صامت يسخر من السعي المحموم خلف "السعادة" كهدف يتحقق فيقود لرغبة جديدة رسالة واضحة: السعادة الحقيقية لا تُشترى، بل تُعاش. والسؤال الذي يظل مفتوحًا في سياقنا هو: من يطلب منا أن نبدو سعداء، ولأي غرض -مجاملة اجتماعية بريئة، أم صورة تُباع وتُشترى؟
ربما لا ينبغي أن نسأل "هل أنا سعيد بما يكفي؟"، بل "هل أعيش بطريقة تسمح لي بأن أكون إنسانًا كاملًا، حتى في اللحظات التي أغيب فيها عن السعادة؟". ويبقى مفتوحًا أيضًا سؤال الحدود: أين ينتهي واجبنا المتواضع تجاه أنفسنا -أن نعتني بشروط حياتنا النفسية والعلاقية- وأين يبدأ حقنا في الحزن دون أن نحوّله إلى قدر نهائي أو أذى لمن حولنا؟
النصوص المرجعية الفلسفية هنا هي "الأخلاق النيقوماخية" لأرسطو، و"تحصيل السعادة" للفارابي، و"أقوال في السعادة" (Propos sur le bonheur) لألان -وهي نصوص أصلية لا تتوفر روابط موثوقة لنسخ عربية منها هنا، فتُذكر بعناوينها لمن أراد العودة إليها مباشرة. أما القراءة التالية فهي مقاربة معاصرة تشرح موقفًا فلسفيًا لاحقًا (ألان باديو) من زاوية نقدية للاستهلاك:
مفهوم السعادة: رحلة في أروقة التاريخ - الجزيرة نتمن فِكرة نفسها: لماذا نخاف من البقاء وحدنا؟
من شبكة المقالاتي العربية: السعي خلف السعادة: رؤية ساخرة لسؤال الإنسان الأزلي في فيلم قصير صامت - نور
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98031786/hal...