في تدوينة نشرتها على مدوّنتها في منصة «سبستاك»، تنطلق الرسامة أتالانتا زانث من ملاحظة بسيطة: كان الفنانون، حتى منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، يرسمون ما يطلبه الرعاة أو ما تقبله السوق، فجاءت أعمالهم دينية أو مبهجة أو ذات مغزى أخلاقي، وإن كانت في جوهرها ممتعة للنظر. أما اليوم، فقد استقر لدى كثير من الفنانين، ولدى السوق نفسها، أن العمل الفني ينبغي أن يعبّر عن مشاعر صاحبه، ولا سيما جراحه وصدماته. ولا تستثني الكاتبة نفسها من هذا الحكم، إذ تعترف بأن معظم لوحاتها وُلدت من تجارب شخصية مزعجة أو غريبة.
تلاحظ زانث أن الفن الديني القديم لم يخلُ من مشاهد الألم والعذاب، لكن الإطار العقدي الذي يحيط بها كان يمنح المعاناة معنى ويحدّ من اليأس فيها. ومن هنا جاءت دهشتها أمام لوحة «هشاشة الإنسان» (L'Umana Fragilità) للرسام الإيطالي سالفاتور روزا، المحفوظة في متحف فيتزويليام بجامعة كامبريدج، إذ شعرت فوراً بأنها أمام عمل رجل مكلوم يرسم حزنه الخاص. وقد صدق حدسها: ففي وباء الطاعون الذي اجتاح نابولي في منتصف خمسينيات القرن السابع عشر، فقد روزا ابنه وأخاه وأخته وزوجها وخمسة من أبنائهما. وفي اللوحة هيكل عظمي ضخم بجناحين أسودين يمسك بمعصم طفل، والطفل يخطّ عبارة لاتينية معناها: الحمل خطيئة، والولادة ألم، والحياة كدح، والموت ضرورة.
غير أن روزا ليس استثناءً في حجم فجيعته، بل في طريقة رسمها. فالكاتبة تستعرض فنانين عاشوا مآسي مماثلة ورسموا أعمالاً مشرقة: يان بروغل الأب فقد والديه طفلاً ثم فقد زوجته شابة، وابنه يان بروغل الابن فقد أباه وثلاثة من إخوته في وباء الكوليرا، ثم رسم باقة زهور تكاد تطابق لوحة أبيه، والأرجح في رأيها أنه فعل ذلك لأن نسخة الأب لقيت رواجاً في السوق لا تكريماً لذكراه. ورسم روبنز دخول هنري الرابع الظافر إلى باريس بعد سنوات قليلة من وفاة زوجته بالطاعون، وكان قد فقد قبلها ابنته ذات الاثني عشر عاماً. أما أرتيميزيا جنتيليسكي، التي تعرّضت لاعتداء في السابعة عشرة وعُذّبت خلال المحاكمة، ثم فقدت أربعة من أطفالها الخمسة، فقد رسمت مع ذلك مشهداً حانياً للطفل يسوع.
وتتواصل القائمة: أنجز رامبرانت «دورية الليل» بينما كانت زوجته تحتضر بالسل، وسيفقد لاحقاً ثلاثة رضّع ويعيش الإفلاس ويشيّع ابنه الشاب. ورسم شاردان سلال الخوخ الهادئة بعد أن فقد زوجته وابنتيه، ثم عاد إليها بعد وفاة ابنه. وأنتج غويا في سبعينيات القرن الثامن عشر سلسلة من مشاهد اللهو الريفي المبهجة في الوقت الذي كان يفقد فيه أطفاله تباعاً، قبل أن تنتهي به الفواجع والصمم والترمّل إلى لوحاته السوداء الشهيرة. ورسمت فيجيه لوبران بورتريهاً ذاتياً هادئاً مضيئاً بعد فرارها من باريس الثورة إلى منفى دام اثني عشر عاماً، فيما عاش بوغرو ليرى أربعة من أبنائه الخمسة يرحلون قبله.
فلماذا يغلب الحزن على كثير من فن اليوم؟ تجيب الكاتبة بأن المسألة بديهية: إذا تعلّم الفنانون أن يستمدوا أعمالهم من أشد ما مرّ بهم كثافة ورسوخاً في الذاكرة، فستكون أعمالهم في الغالب كئيبة. والسبب ليس أن الفنانين أكثر اكتئاباً من غيرهم، ولا أن الكآبة تغذّي الإبداع، بل إن هناك ما يشير إلى أن الشقاء يعيقه وينتج أعمالاً تلقى استحساناً أقل. فالأشياء الطيبة تأتي عادةً على مهل، كالوقوع في الحب أو الخطوبة، أما المصائب فتقع دفعة واحدة وتنطبع في الذاكرة، يُضاف إلى ذلك ميلنا الطبيعي إلى تذكّر السلبي أكثر من الإيجابي. وتذكّر زانث بأن أهل الماضي لم يكونوا أقل إحساساً بالفقد، مستندة إلى أعمال المؤرخ نيكولاس أورم الذي بيّن أن الناس في العصور الوسطى أحبّوا أطفالهم وحزنوا عليهم بعمق.
من هنا تقترح الكاتبة قراءة مختلفة لدور السوق: فبدل أن يكون إلزام الفنان المفجوع برسم لوحة زهور جديدة إهانة أخيرة، ربما كان طريقة لصرف ذهنه عن جرحه نحو موضوع محايد. وتلتقي هذه الفكرة مع نصيحة متوارثة في تقاليد روحية عديدة، كما في حكمة الأهل والأقارب: ألّا يطيل المرء الوقوف عند أحزانه، وأن ينشغل بغيره. فالانهماك في العمل قد يكون أنجع في تخفيف الألم من «التطهير» العاطفي، وهو طرح يضيف زاوية جديدة إلى النقاش القائم حول علاقة الفن بالتعامل مع الألم. وتختم زانث بتواضع ساخر: فبوصفها فنانة تعيش في أفضل حقب التاريخ، قد يكون لديها ما تتعلمه من هؤلاء، لكن عليها أولاً أن تكمل لوحة لامرأة باكية يفترسها ثعلب.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
كيف يساعدك الفن في التعامل مع الألم: نظرة جديدة على علاقتنا بالمعاناة الإبداعية قضية برانكوزي التي وسّعت تعريف الفن الحديث في أمريكا هل الضعف قوة أم قيد نفسي؟ (فكرة) التجربة الروحية في السينما بين الفن والتأمل والمعنى (نور)المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98346184/h...