Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

( نزار دردابي) المغرب في مواجهة الفيضانات: دولة قادرة اليوم على إدارة الأزمات بدل الخضوع لها


Rédigé le الخميس 5 فبراير 2026 à 18:01 | Lu 0 commentaire(s)



تُظهر الفيضانات الأخيرة في المغرب أن طريقة تدبير الكوارث الطبيعية في البلاد دخلت مرحلة جديدة تقوم على الاستباق، والسرعة في التحول إلى «وضعية أزمة»، والقدرة على تنظيم التدخل والحفاظ على نفس الجهد لفترة طويلة، مع تجنب ظهور «أزمة ثانية» بعد الكارثة. فحسب تحليل نزار دردابي، الخبير في الاستراتيجية الدولية والدفاع والأمن، لا يمكن الحديث عن تحكم كامل في الظواهر الطبيعية، لأن سلوك الأودية في حالة الفيضان، وانقطاع المحاور الطرقية، وارتفاع منسوب المياه تبقى كلها عناصر غير يقينية بطبيعتها. غير أن ما يمكن قياسه هو فعالية منظومة الإنذار، وسرعة الإجلاء، ونجاعة تعبئة الوسائل الميدانية. وفي هذا الإطار، يشير إلى أن غياب الضحايا إلى حدود الساعة يعكس اشتغال هذه السلسلة بشكل منسق، ويؤكد أن المغرب أصبح يعتمد مقاربة واضحة تقوم على الجمع بين قدر معيّن من التوقع، وقدرة عملية على تنظيم حالة الطوارئ لحظة وقوعها.  



زلزال الحوز سنة 2023 كان نقطة تحول مفصلية في هذا المسار. فقد أبانت الدولة حينها عن قدرة عالية على الانتقال بسرعة كبيرة إلى «نمط الأزمات»، من خلال تعبئة واسعة للقوى الأمنية والعسكرية، ووصول تعزيزات من مختلف مناطق المملكة، ثم الأهم: الانتقال السريع من مرحلة الإنقاذ الفوري إلى مرحلة الدعم المستمر. هذا الدعم تجلى في توفير حلول إيواء مستقلة، وتأمين تموين غذائي متواصل، وإرساء خدمات صحية قريبة من السكان المتضررين. هذه الخبرة المتراكمة في نشر بنيات كاملة ومستقلة في الميدان – قادرة على العمل حتى عندما تتوقف البنيات التحتية المدنية – أصبحت اليوم عنصراً حاسماً في نجاح التدخلات خلال الكوارث الكبرى.  

في قلب هذه المنظومة توجد القوات المسلحة الملكية، التي لا يقتصر دورها على إرسال طائرات مروحية أو وحدات مشاة إلى المناطق المنكوبة، بل تُقدِّم قيمة مضافة مبنية على أربعة عناصر متكاملة. أول هذه العناصر هو القدرة على الإسقاط السريع والاستمرار في الزمن، عبر قوافل منظمة، وهيكلة لوجستية تتيح الحفاظ على وتيرة الجهد وتدبير الإرهاق. العنصر الثاني هو الاستقلالية اللوجستية، إذ تستطيع وحدات الجيش نشر «وحدات حياة» كاملة تتضمن مخيمات، ومياه شرب، وطاقة، وتغذية، ونظافة، ما يساهم في إعادة النظام إلى فضاء مضطرب. العنصر الثالث يتمثل في الخبرة في «الميدان الصعب»، من خلال وحدات مدرّبة على العمل في مناطق وعرة ومعزولة وفي ظروف مناخية وجغرافية قاسية، كما برز مع كتيبة صائدي الأطلس خلال زلزال الحوز، حين أعادت ربط الدواوير المعزولة حتى على ظهور البغال والرجال. أما العنصر الرابع فهو الدعم الطبي، عبر مستشفيات عسكرية ميدانية قادرة على الفرز والعلاج وتخفيف الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية المحلية.  

هذه القوة العسكرية تتحرك ضمن نسق منسق مع باقي الأجهزة. فالدرك الملكي، بحكم تكوينه العسكري وتمركزه في الوسط شبه القروي، يشكل امتداداً طبيعياً لوحدات القوات المسلحة في عمليات الاستطلاع الميداني، وتأمين المناطق المتضررة، وتنظيم الإجلاء. الشرطة (المديرية العامة للأمن الوطني) تتكفل بتنظيم حركة المرور داخل المناطق الحضرية، وحماية الممتلكات، وضمان النظام العام. الحماية المدنية تضطلع بمهمة الإنقاذ المباشر، وإخماد الحرائق إن وُجدت، وضخ المياه، وتقديم الإسعافات الأولية. القوات المساعدة توفر دعماً بشرياً قريباً من السكان، خاصة في تنظيم الإيواء والمساعدة على الإجلاء. أما وزارة الداخلية والسلطات المحلية (الولاة والعمال) فتتولى قيادة المنظومة عبر اتخاذ القرار، وتحديد الأولويات، وتنسيق عمل جميع المتدخلين وفق مخطط «أورسِك» الوطني المخصص لتدبير الكوارث. هذا التقسيم الواضح للأدوار يسمح بتفادي تضارب المهام وتحويل تعدد الفاعلين إلى تكامل فعلي على الأرض.  

الصور المتداولة للتدخلات السريعة وعمليات الإجلاء المنظمة، إلى جانب غياب الخسائر في الأرواح، توحي بتدبير أمني وعملياتي متحكم فيه. غير أن تقييم النجاعة يقتضي التمييز بين مرحلتين أساسيتين. المرحلة الأولى هي المرحلة الحادة، التي يجري خلالها إنقاذ الأرواح، وإبعاد السكان عن مناطق الخطر، وتأمين المواقع المنكوبة، وإعادة فتح المحاور الطرقية أو إيجاد بدائل لها. في هذه اللحظة، يكون تركيز الرأي العام والخبراء على أداء الأجهزة الأمنية والعسكرية، وعلى سرعة الاستجابة. المرحلة الثانية، وهي لا تقل أهمية، تبدأ بعد انحسار الخطر المباشر، وتتمثل في منع «الأزمة الثانية»: انتشار الأمراض بسبب المياه الملوثة، اضطرابات في التموين، آثار نفسية غير معالجة، أو توتر اجتماعي ناتج عن الإحساس بالظلم أو التهميش.  

هنا تبرز أهمية ما يسميه نزار دردابي «تنظيم الحياة بعد الكارثة». فنجاح التدخل لا يُقاس فقط بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، بل أيضاً بقدرة الدولة على إعادة السكان إلى شكل من الاستقرار، وتوفير شروط حياة كريمة مؤقتة إلى حين العودة إلى الوضع الطبيعي أو إعادة الإعمار. تجربة الحوز قدمت مثالاً واضحاً على ذلك، حيث أُقيمت مخيمات منظمة تتوفر فيها شروط النظافة والماء والغذاء، إلى جانب رعاية صحية مستمرة وتدريجية. كما جرى توثيق التجربة واستخلاص الدروس بهدف تحسين الجاهزية التنظيمية واللوجستية لاحقاً.  

في ضوء ما تحقق حتى الآن، يمكن القول إن المؤشرات الأولية على تدبير فيضانات هذه الأيام إيجابية: سرعة في التدخل، فعالية في الإجلاء، غياب خسائر بشرية، وتنسيق واضح بين مختلف أجهزة الدولة تحت قيادة التراب المحلي. ومع ذلك، يبقى التقييم النهائي رهيناً بما سيجري في الأسابيع التالية، خاصة على مستوى مواكبة المتضررين وتدبير مرحلة ما بعد الكارثة. ما يبدو واضحاً هو أن المغرب اليوم بات قادراً على «التحول بسرعة إلى وضعية أزمة» عندما تضرب كارثة طبيعية، وأنه انتقل تدريجياً من ردود فعل متفرقة وارتجالية إلى منظومة أكثر نضجاً تقوم على التخطيط، والتدريب، وتكامل الأدوار بين الجيش والأمن والحماية المدنية والسلطات الترابية، بهدف واحد: حماية الأرواح ومنع الكارثة من أن تتحول إلى جرح مفتوح في الجسد الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.




المصدر : https://lemaroc.articlophile.com/almghrb/i/9411925...



Rss
Mobile