تندرج الندوة الثقافية الثانية «معرفة الوحي أصل الإنتاج المعرفي في الحضارة الإسلامية» ضمن الموسم الرابع لندوة الأمة التي تشرف عليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر تحت شعار «معرفة الوحي». وتهدف إلى إبراز مكانة الوحي بوصفه الإطار المرجعي للمعرفة والحضارة الإسلامية، لا مجرد نص تعبدي منفصل عن حركة التاريخ والواقع المعاصر. وقد احتضن جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب هذه الفعالية التي تجمع عدداً من المتخصصين في التفسير وعلوم القرآن والحديث والفكر الحضاري، في سياق سلسلة من الندوات الدورية التي تُنظم كل ثلاثة أشهر لمناقشة قضايا فكرية وحضارية على ضوء النصوص المؤسسة في الإسلام.
ينطلق المشاركون في الندوة من التأكيد على أن تاريخ العلم في الحضارة الإسلامية يدل على أن الوحي شكّل نقطة البدء في توجيه العقل وترسيم حدود البحث. ويؤكد أن خطاب «اقرأ باسم ربك الذي خلق» أسّس لنموذج معرفي يقوم على الجمع بين قراءة الوحي وقراءة الكون، بحيث يعمل العقل في إطار مرجعية قيمية وعقدية واضحة من دون أن تُقيد قدرته على الاجتهاد والاستنباط. ويُبرز المتدخلون أن المدارس العلمية الإسلامية، من أصول الفقه إلى علوم الحديث واللغة والطب والفلك، نشأت في الأصل من محاولة فهم الوحي وتنـزيله على الواقع. وأن أي مشروع نهضوي معاصر لا يمكن أن ينفصل عن هذا الأصل المؤسِّس الذي يمنح للمعرفة معناها وغايتها.
شارك الدكتور محمد عبد الله الساعي في الندوة، حيث تناول جذور التفاعل المعرفي في الحضارة الإسلامية. أوضح أن الوحي رسم منظومة قيم ومنطلقات منهجية جعلت العقل أداة لفهم النص واستثمار قوانين الكون، لا نداً للوحي أو بديلاً عنه. كما بين أن الانفصال بين المرجعية الوحيية والبحث العلمي الحديث أسهم في تشويه صورة العلاقة بين الدين والعلم. ثم تناول الأستاذ الدكتور عبدالله الخطيب سنن استمرارية العطاء المعرفي في الحضارة الإسلامية، مسلطاً الضوء على أن حيوية هذه الحضارة كانت مرتبطة بقدرتها على تجديد أدوات فهم النص، وتطوير مناهج الاجتهاد واستيعاب التحولات الاجتماعية ضمن إطار مقاصدي يحفظ ثوابت الشريعة ويستجيب لمتغيرات الواقع.
ركز الدكتور عبدالسلام أحمد أبو سمحة على الإطار المنهجي للتفاعل بين معارف الوحي ومدارك العقل. ثم قدم رؤية مستقبلية لآفاق «الممكن المعرفي» في ضوء التحديات الراهنة، مشيراً إلى ضرورة تجاوز ثنائية الجمود على التراث أو القطع معه لصالح مقاربة نقدية منضبطة. هذه المقاربة تجعل الوحي معياراً للحكم على المناهج والنظريات المعاصرة مع الاستفادة من منجزات العلوم الإنسانية والطبيعية حيثما انسجمت مع الأصول الكلية. وتخلص مداخلته إلى أن تجديد الإنتاج المعرفي يتطلب وعياً بأدوات النقد الحديث إلى جانب ضبطها بقواعد الاستدلال الشرعي. ذلك بما يحول دون توظيف الدين لتبرير الواقع القائم أو توظيف العلم لهدم البنى القيمية التي يقوم عليها المجتمع المسلم.
تأتي هذه الندوة في إطار مشروع أوسع تسعى من خلاله «ندوة الأمة» إلى ترسيخ مفهوم «حضارة الوحي» في الوعي العام والنخبوي. عبر تحويل الندوات الموسمية إلى منصة مستمرة للحوار بين العلماء والمفكرين والجمهور حول قضايا مثل العلاقة بين الوحي والعقل، وسنن الاجتماع البشري، والوراثة الحضارية، وموقع العلوم الإنسانية المعاصرة في الرؤية الإسلامية. ويُنتظر أن تُستكمل هذه النقاشات في لقاءات لاحقة تعالج موضوعات مكملة، بما يعزز حضور الجامع والمؤسسات الدينية فضاءاتٍ للنقاش العلمي والمساهمة في صياغة رؤية معرفية قادرة على التعامل مع أسئلة العصر من داخل المرجعية الإسلامية.
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93727181/ndo-alam-...


