اختتم المؤتمر الدولي الأول للتصوف النسائي أشغاله في أكاديمية المملكة المغربية بالرباط بإصدار ما سمي بـ“نداء الرباط”، بوصفه خلاصة لتوصيات المشاركات والمشاركين حول مكانة التجارب الصوفية النسائية في الذاكرة الدينية والروحية المعاصرة. جرى تنظيم المؤتمر يومي 10 و11 يونيو 2026، بمبادرة من أكاديمية المملكة وبشراكة مع منظمة دولية غير حكومية، مع حضور باحثات وباحثين وممثلات عن طرق ومجموعات صوفية قادمة من دول متعددة من العالمين الإسلامي والغربي. تركزت الجلسات على تتبع حضور النساء في التاريخ الصوفي، من المتصوفات الأوائل إلى الأجيال المعاصرة، مع ربط هذا المسار بأسئلة القيادة الروحية، والذاكرة الجماعية، وأدوار التصوف في بناء السلم المجتمعي.
التوصيات التي حملها “نداء الرباط” تمحورت حول مطلب الاعتراف بالتجربة الصوفية النسائية بوصفها تراثا حيا للإنسانية، يستوجب آليات حماية قانونية ورمزية تتجاوز المقاربات الفولكلورية أو المتحفية. دعا النداء إلى إدراج الأبعاد النسائية للتصوف ضمن ملفات التراث الثقافي غير المادي المعروضة على منظمات دولية مختصة، مع تشجيع الدول والمؤسسات العلمية على توثيق السير الروحية للمتعبدات والمتصوفات في مختلف السياقات الجغرافية والتاريخية. كما شدد على أهمية إنشاء أرشيفات رقمية مفتوحة، تضم المخطوطات والنصوص والشهادات الشفوية المتعلقة بالأدوار النسائية في بناء المدارس والفضاءات الصوفية، بما يتيح للباحثين إعادة قراءة تاريخ التدين والتصوف من منظور أكثر شمولية.
الجانب العلمي للمؤتمر تضمن مداخلات حول موضوعات مثل الذاكرة الروحية النسائية، العلاقة بين الكتابة الصوفية المؤنثة وأسئلة التأويل الديني، وأنماط القيادة الروحية التي بلورتها النساء داخل الزوايا والطرق عبر قرون. تناولت أوراق بحثية نماذج تاريخية لنساء عارفات ومتعبدات في مناطق مغربية ومشرقية، مع مقارنة حضورهن في المصادر الكلاسيكية بامتدادات هذا الحضور في الممارسات المعاصرة داخل المدن والقرى والمهاجر. كما ركزت مساهمات أخرى على تفاعل التصوف النسائي مع قضايا العدالة الاجتماعية وبناء السلم الأهلي، من خلال تحليل مبادرات محلية تشتغل على الوساطة المجتمعية ومرافقة الفئات الهشة تحت إشراف قيادات نسائية ذات تكوين صوفي.
على المستوى المفاهيمي، رسخ المؤتمر استعمال مصطلح “التصوف النسائي” بوصفه مدخلا تحليليا يدمج البعد الجندري في دراسة الظاهرة الصوفية، دون اختزالها في ثنائية تقابلية بين تجارب الرجال وتجارب النساء. انطلقت بعض المداخلات من نقد القراءات التي تحصر مساهمة النساء في أدوار ثانوية أو خدمية داخل الفضاءات الصوفية، مقترحة نماذج لقيادات روحية نسائية ساهمت في التعليم، والإرشاد، وصياغة المتون، وتنظيم الشبكات الاجتماعية للتدين. في المقابل، تناولت مداخلات أخرى التحديات التي تواجه الباحثين عند التعامل مع المادة المصدرية المتعلقة بالمتصوفات، بسبب ندرة النصوص الذاتية وكثافة الطبقات التفسيرية التي أضافها المؤرخون والفقهاء والرحالة.
من الناحية المؤسسية، أبرز المنظمون أن اختيار الرباط لاستضافة هذا الموعد العلمي يرتبط بموقع المدينة في تاريخ الولاية والصلاح النسائي، حيث توثق مصادر تاريخية ملتقيات عرفت حضور أعداد كبيرة من النساء المعروفات بالممارسة الصوفية والسمعة الروحية. يشير هذا الامتداد التاريخي إلى أن الاهتمام المعاصر بالتصوف النسائي لا يمثل قطيعة مع الماضي بقدر ما يشكل إعادة قراءة لتراكم طويل، تستخدم فيه أدوات البحث التاريخي والأنثروبولوجي والدراسات الدينية المقارنة. كما أن انعقاد المؤتمر في فضاء أكاديمية المملكة منح النقاش بعدا مؤسساتيا، يربط البحث العلمي بمشاريع السياسات الثقافية والدينية على المدى البعيد.
يتوقع المنظمون أن يشكل “نداء الرباط” أرضية لبرامج لاحقة، من قبيل إنشاء شبكات بحث دولية، وتنظيم دورات تكوينية للباحثين الشباب حول الأرشفة الرقمية للتراث الصوفي النسائي، وإطلاق مشاريع ترجمة للنصوص المرتبطة بالتصوف المؤنث إلى لغات متعددة. كما جرى التلميح إلى إمكانية إعداد ملفات مشتركة بين بلدان مختلفة لطرح بعض التجارب الصوفية النسائية ضمن مسارات الاعتراف بالتراث اللامادي على المستوى الدولي، بما يربط بين الحماية الثقافية والدينامية المجتمعية المعاصرة. في هذا المنظور، يصبح التصوف النسائي موضوعا يلتقي فيه البحث الأكاديمي، والعمل المؤسساتي، والتحولات الجارية في تمثلات الدين والروحانية لدى أجيال جديدة داخل المجتمعات المسلمة وخارجها.
المصدر : https://www.aktab.ma/nashra/i/96948165/nid%C4%81-a...