في فلوريدا، بدا بنيامين نتنياهو أكثر ارتياحاً وهو يخاطب قادة المجتمع الإنجيلي الأميركي مما يبدو عليه وهو يواجه أسئلة الصحافة الدولية. في اجتماع مغلق مع قساوسة ورؤساء جامعات مسيحية محافظة، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي عرضاً مكثفاً لرؤيته للعالم: صراع بين "التقاليد اليهودية–المسيحية" وبين ما يصفه بـ"الإسلام الشيعي المتطرف" و"المحور السني الذي يقوده الإخوان المسلمون"، مع وعد واضح بأن إسرائيل هي الحصن الأخير للمسيحيين في الشرق الأوسط والعالم.
اختار نتنياهو أن يربط هذا اللقاء بجذور أعمق من مجرد تحالف سياسي. فعاد إلى القرن التاسع عشر ليؤكد أن الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة وبريطانيا هي التي مهّدت الطريق لقيام "الدولة اليهودية". ثم قدّم الحضور بوصفهم امتداداً لذلك الإرث اللاهوتي–السياسي الذي يرى في عودة اليهود إلى "أرض الميعاد" شرطاً لتمام النبوءة المسيحية. بهذا المعنى، لا يتعامل نتنياهو مع الإنجيليين كحلفاء عابرين، بل كجزء من بنية أيديولوجية يعتبرها شرطاً لاستمرار إسرائيل داخل الفضاء الغربي.
في كلمته، تحدّث نتنياهو عن "سبع جبهات" عسكرية تخوضها إسرائيل، قبل أن يضيف جبهة ثامنة اعتبرها الأخطر: الحرب على العقول والقلوب، خصوصاً لدى الجيل الشاب في الغرب، وبشكل خاص داخل الولايات المتحدة وبين المحافظين. هنا يتجاوز الخطاب منطق الأمن العسكري إلى منطق المعركة على السردية؛ فالمطلوب، كما يلمّح، ليس فقط كسب المعارك على الأرض، بل فرض تعريف معين لـ"الخير والشر" في الوعي الغربي، حيث تصبح إسرائيل ممثلة "الحضارة اليهودية–المسيحية"، وتُختزل كل أشكال مقاومة سياساتها في خانة "الإرهاب" أو العداء لقيم الغرب.
يأتي ذلك في لحظة دقيقة بالنسبة لتل أبيب داخل الساحة الأميركية. فاستطلاعات الرأي الأخيرة تظهر تراجعاً ملموساً في الدعم لإسرائيل بين الأجيال الشابة، وبين شرائح متزايدة داخل القاعدة الإنجيلية نفسها، وخاصة بين الشباب الذين باتوا أكثر حساسية لملف حقوق الإنسان في فلسطين وأكثر تشككاً في الخطاب الحربي الإسرائيلي. وفي المقابل، ما زالت القيادات التاريخية، المقرّبة من الحزب الجمهوري، تشكل كتلة ضغط قوية أثّرت سابقاً في قرارات مفصلية مثل نقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بضم الجولان خلال رئاسة ترامب. لذلك يبدو نتنياهو وكأنه يعيد تثبيت هذا الحلف، مستنداً إلى إرث ترامب ورافعاً منسوب الخطاب الديني–الهوياتي لكبح أي تآكل دائم في ولاء هذه القاعدة.
من المثير في هذا الاجتماع تقديم إسرائيل كـ"الدولة الوحيدة" التي تحمي المسيحيين في المنطقة وتسمح لهم بالازدهار، مع اقتراح إنشاء نوع من "اتحاد الأمم" الداعمة للمجتمعات المسيحية المهددة حول العالم. هذه الصيغة تقرّب الخطاب من نموذج تحالف ديني–جيوسياسي عابر للحدود، يضم أنظمة وقوى محافظة في الغرب وخارجه تحت شعار حماية المسيحيين، ويحول إسرائيل من طرف في نزاع محلي إلى حامل لراية الدفاع عن "أقليات مضطهدة" في مواجهة الإسلام السياسي والأنظمة المعادية للغرب. بهذا الخطاب، يسعى نتنياهو إلى إعادة تعريف موقع إسرائيل من "دولة متهمة بارتكاب انتهاكات في غزة" إلى "ضامن لوجود المسيحيين" في الشرق والغرب معاً.
اللافت أيضاً أن هذا التحرك الخطابي يتقاطع مع سياسة ملموسة على الأرض. في الأشهر الأخيرة، أعلنت إسرائيل عن برامج تمويل موجهة خصيصاً لتعزيز حضور روايتها داخل الكنائس والجامعات المسيحية في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة. هذه تشمل حملات، وشراكات إعلامية، وبرامج زيارات منظمة لقساوسة وإنجيليين إلى إسرائيل. الهدف الظاهر هو تحويل هؤلاء القادة الدينيين إلى "سفراء" غير رسميين للرواية الإسرائيلية لدى قواعدهم الشعبية، بما يقلل من الاعتماد الحصري على الدبلوماسية التقليدية التي تتعرض لضغوط متزايدة في الساحة الدولية.
في مقابل ذلك، تبدو الساحة الإنجيلية الأميركية نفسها في حالة تحوّل. بينما تواصل القيادات التقليدية الدفاع عن الخطاب الصهيوني المسيحي الكلاسيكي، تبرز أجيال جديدة من الإنجيليين تتبنى قراءات نقدية للسياسة الإسرائيلية، وتتفاعل مع صور الدمار في غزة وملف المستوطنات من منظور حقوقي وإنساني أكثر منه لاهوتي. هذا التصدع الداخلي يجعل لقاءات نتنياهو مع النخب الإنجيلية المحافظة محاولة لإعادة توحيد القاعدة حول سردية "الحرب على الحضارة الغربية" و"الدفاع عن المسيحيين"، مما يقلل من مساحة النقاش الأخلاقي حول ما يجري على الأرض.
لا يمكن قراءة خطاب نتنياهو في فلوريدا باعتباره مجرد مجاملة دبلوماسية لحلفاء دينيين تقليديين، بل كجزء من معركة أوسع على تعريف "من يمثل الغرب" و"من يدافع عن المسيحيين" في زمن تتآكل فيه ثقة جزء من الرأي العام الغربي بالمشروع الصهيوني كما قدّم نفسه لعقود. عبر استدعاء مفردات الصهيونية المسيحية وصراع الحضارات، يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي تثبيت إسرائيل كقلب صلب لـ"الهوية اليهودية–المسيحية" في مواجهة عدو إسلامي مُعمّم، مع ما يحمله ذلك من مخاطر إضافية على المسلمين والعرب عموماً، وعلى المسيحيين الشرقيين الذين يُستَحضرون في الخطاب كذريعة، بينما تُهمَّش أصواتهم الفعلية على الأرض. هذه المفارقة الأخيرة قد تكون أحد أهم مفاتيح المعالجة الصحفية العربية لهذا الملف، بين خطاب يدّعي حماية المسيحيين، وواقع سياسي–عسكري يربط مصير المنطقة كلها بمعركة سردية تُخاض باسم "روح الغرب".
المصدر : https://www.soubha.com/arabic/i/93486854/ntnyaho-o...