في غضون أيام قليلة فقط، انتقلت نتفليكس من الانسحاب من عرض استحواذ ضخم على مجموعة وارنر براذرز ديسكفري إلى إعلان صفقة مختلفة تماماً في طبيعتها. الصفقة تقوم على شراء شركة ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي تحمل اسم InterPositive أسسها المخرج والممثل بن أفليك عبر كيان قانوني وسيط، مع إبقاء نشاطها الفعلي بعيداً عن الأضواء إلى حين اكتمال الصفقة. هذا التحول من محاولة امتلاك استوديو تقليدي إلى الاستثمار في شركة صغيرة لا يتجاوز فريقها بضع عشرات من المتخصصين يعكس رهانا على تغيير بنية إنتاج الأعمال السمعية البصرية، أكثر مما هو رهان على توسيع مكتبة المحتوى.
تقدم InterPositive نفسها كمختبر تكنولوجي صُمم من داخل الصناعة ولحاجات المهنيين. حيث طوّرت نظاماً يعتمد على الذكاء الاصطناعي يُدرَّب مباشرة على اللقطات الخام التي تُصوَّر يومياً في مواقع التصوير، بدلاً من الاعتماد على بيانات عامة أو مفتوحة. بهذا الأسلوب، يبني النظام فهماً دقيقاً للهوية البصرية الخاصة بكل عمل على حدة، من حيث الإضاءة والعدسات وحركة الكاميرا وتكوين الكادر. الأمر الذي يسمح بتوليد اقتراحات قريبة من حسّ مدير التصوير والمخرج، ويحدّ من التفاوت الجمالي الذي كثيراً يُسجَّل على الأدوات التوليدية العامة. وتستند هذه المقاربة إلى براءات اختراع صاغها أفليك نفسه. تقوم فكرتها الجوهرية على تحويل اللغة السينمائية للصورة إلى بيانات بنيوية قابلة للمعالجة الآلية في مرحلة ما بعد الإنتاج.
على المستوى العملي، يستهدف النظام مجموعة من المهام التي تستهلك عادة وقتاً طويلاً وموارد بشرية كبيرة في غرف المونتاج وأقسام المؤثرات البصرية. هذه المهام تشمل الإضاءة الرقمية، إعادة تأطير اللقطات بما يناسب منصات عرض مختلفة، إزالة الأسلاك المستخدمة في مشاهد الخطر، معالجة الثغرات الناتجة عن غياب بعض زوايا التصوير، توحيد تدرجات الألوان على امتداد العمل، وإضافة مستويات محددة من المؤثرات وفق توجيهات إبداعية مسبقة. ما كان يستدعي أسابيع من العمل المتتابع بين فرق متعددة يمكن، نظرياً، ضغطه في عملية شبه فورية يقدم فيها النظام سلسلة مقترحات قابلة للتعديل، يختار منها صانعو العمل ما يناسب رؤيتهم. بالنسبة لمنصة تنتج عدداً كبيراً من الأعمال ذات الثقل البصري سنوياً، يعني ذلك إمكانية خفض ملحوظ في كلفة ما بعد الإنتاج، وتسريع جداول التسليم من دون التضحية بتجانس الصورة.
توقيت الصفقة أهمية خاصة، إذ جاء بعد قرار نتفليكس التخلي عن عرض استحواذ بقيمة تقارب 83 مليار دولار لشراء أصول رئيسية من Warner Bros. Discovery. في خطوة قرأها المستثمرون باعتبارها مؤشراً على تفضيل الانضباط المالي وعدم إضافة ديون جديدة في سوق متقلبة. اختيار توجيه الموارد نحو امتلاك تكنولوجيا إنتاجية مملوكة داخلياً، بدلاً من توسيع محفظة القنوات والاستوديوهات التقليدية، يوحي بتحول في استراتيجية المنافسة. من سباق على حجم المكتبات والحقوق إلى سباق على امتلاك “خط التجميع” الرقمي للعمل السمعي البصري. في هذا الإطار، يبدو استحواذ InterPositive كجزء من مسعى لبناء سلسلة توريد تقنية مغلقة. تجعل المنصة أقل اعتماداً على شبكات خارجية من مقدمي خدمات المؤثرات والمونتاج المتقدم.
لكن البعد التقني ليس سوى وجه واحد للمسألة. إذ تتقاطع هذه الخطوة مع لحظة حساسة في العلاقة بين استوديوهات البث والنقابات المهنية في هوليوود. العقد الجماعي لنقابة الممثلين SAG-AFTRA يقترب من موعد انتهاء جديد، بينما لا تزال تداعيات الإضراب الواسع الذي شهدته الصناعة عام 2023 بسبب شروط استخدام الذكاء الاصطناعي حاضرة في الذاكرة. نتفليكس تؤكد في خطابها العلني أن أدوات InterPositive صُممت لتمكين صناع الأفلام وتسريع تنفيذ رؤاهم، وأن القرار النهائي في قبول أو رفض أي تغيير بصري يبقى بأيدي البشر في غرفة المونتاج. لكن وجود تقنية تستطيع اختزال جزء كبير من أعمال المؤثرات والتصحيح البصري في زمن قصير يطرح أسئلة مباشرة حول مستقبل آلاف العاملين في شركات متخصصة بنت نشاطها على عقود ما بعد الإنتاج.
حتى في السيناريوهات التي تُبقي الإنسان في مركز العملية الإبداعية، يفتح خفض الكلفة وإمكانية توزيع الميزانيات الباب أمام إعادة رسم موازين القوى داخل الصناعة. هذا يشمل التوازن بين المنصات الكبرى، الاستوديوهات التقليدية، شركات المؤثرات المستقلة، والنقابات التي تحاول تثبيت ضمانات تحمي المهن الإبداعية من التحول إلى مجرد “طبقة إشراف” على عمل خوارزميات. وفي حال انتقلت هذه النماذج من طور التجربة المحصورة في منصة واحدة إلى اعتماد أوسع في السوق، قد يجد الوسط السمعي البصري نفسه أمام بنية إنتاج جديدة. في هذه البنية، يصبح التحكم في أدوات الذكاء الاصطناعي المتخصصة عاملاً لا يقل وزناً عن ملكية المكتبات والحقوق.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/cultures/i/95225057/ntflyk...


