أهلًا بكم في نشرة مَصْدَر ليوم 14/10/2026. نتوقّف في هذا العدد عند طريقة أكثر واقعية لتوقّع العالم في 2050، وعند شجاعة طرح الأسئلة التي تبدو ساذجة، وعند أثر كلمة تشجيع صغيرة في مسار إنسان، ثم نسافر إلى طوكيو التي يراها كاتب أمريكي باريسَ هذا القرن، ونختم بفكرة بسيطة لإنعاش نوادي القراءة.
كيف نتوقّع العالم في 2050؟
في مقال نشره إريك هول على مدوّنته بتاريخ 25/08/2021، يأخذ الكاتب على كثير من المستقبليين أنهم يكتبون خيالًا علميًّا بلا حبكة: سيارات تطفو فوق الطرق، وعقول تُنقل إلى الحواسيب، وبيوت تُدار بالتخاطر. ويقترح بدلًا من ذلك منهجًا تدريجيًّا ينطلق من أن الطبيعة البشرية لا تتغيّر كثيرًا، وأن ما سيصنع الغد موجود اليوم في بداياته. فمن أراد سنة 1992 أن يتوقّع عالمنا الحالي، كان يكفيه أن يمدّ خطوط الهاتف المحمول والحاسوب الشخصي والإنترنت إلى نهاياتها.
على هذا الأساس يقدّم هول ثمانية عشر توقّعًا لسنة 2050، منها مستعمرة مدنية على المريخ، وتحويل كل شيء تقريبًا إلى سلعة في أسواق جامحة، وذكاء اصطناعي تتحكم فيه شركات كبرى ويمسّ أصحاب المهن المكتبية والفنانين قبل غيرهم، وتراجع المتاجر التقليدية لحساب التوصيل السريع، وانتقال معظم التعليم إلى الشبكة. ويحرص على التنبيه إلى أنه يصف اتجاهات قائمة ولا يُصدر عليها أحكامًا أخلاقية. وقراءة هذه القائمة اليوم، بعد خمس سنوات من كتابتها، تمرين مفيد في حدّ ذاته.
شجاعة أن تبدو غبيًّا
يعترف المهندس دان لو في مقاله عن الاستعداد للظهور بمظهر الغبي بأن كثيرين يظنّونه غبيًّا، وبأنه لا يكترث لذلك، بل يرى في قبول هذا الانطباع واحدة من أنفع عاداته. ففي الجامعة عدّه بعض زملائه بطيء الفهم لأنه كان يطرح أسئلة تبدو ساذجة، بينما كان في الحقيقة يتجاوز التفسير السهل الخاطئ بحثًا عن السبب الأدقّ. ويلاحظ أن من يتقبّلون طرح الأسئلة «البلهاء» ينتهون، مع مرور الوقت، إلى فهم أعمق بكثير من غيرهم.
ويستشهد بأمثلة من عمله: مسؤول عن التحقّق من الرقائق الإلكترونية فضّل إعادة تشغيل اختبارات قديمة لا تكاد تكشف خطأً على اختبارات جديدة أنفع، خشية أن يبدو مقصّرًا إن تسرّب خطأ كانت ستلتقطه الاختبارات القديمة؛ ومهندسون مبتدئون يتعلّمون ببطء لأنهم يخجلون من السؤال. وخلاصته أن الأفكار التي يراها الناس أسخف من أن تُجرَّب قد تكون أحيانًا أعلاها مردودًا وأيسرها تنفيذًا، لأن أحدًا لم يقترب منها أصلًا.
كلمة ترفع سقف الطموح
في تدوينة قصيرة على «مارجنال ريفولوشن»، يستعيد الاقتصادي تايلر كوين سنوات عمله مديرًا لقبول طلبة الدراسات العليا، حين كان يعرض على المتقدّمين المتميّزين لبرنامج الماجستير القبولَ في الدكتوراه أيضًا. وقد سلك هذا الطريق اثنان على الأقل من أفضل طلابه، ولم يكونا يعلمان أن التقدّم مباشرة إلى الدكتوراه أمر شائع. وفكرته أن اقتراحًا بسيطًا في لحظة حاسمة، خصوصًا مع الشباب، قد يرفع طموح شخص إلى مستوى لم يكن يتخيّله، بكلفة زهيدة على صاحب الاقتراح ونفع كبير للآخر وللعالم من حوله.
طوكيو، باريس هذا القرن
يرى الكاتب الاقتصادي نوح سميث في مقال على مدوّنته «نوابينيون» أن طوكيو أعظم مدن العالم اليوم، وأنها تحتل المكانة التي شغلتها باريس قبل قرن. وسرّها عنده في بنيتها العمرانية: شوارع عريضة تتخلّلها متاهة من الأزقّة الضيّقة، ومبانٍ تجارية متعددة الطوابق تتكدّس فيها المطاعم والمحلات، فيتحوّل التسوّق من الذهاب إلى مكان بعينه إلى الإقامة في الحيّ كلّه. ومن آثار هذا التركّز أن الأحياء السكنية القريبة تبقى هادئة على نحو لافت، دون حاجة إلى تقسيم صارم للمناطق.
ويضيف إلى ذلك شبكة قطارات كثيفة تُغني عن التخطيط المسبق للتنقّل، ومدينة آمنة يسهل فيها التعارف، وتنوّعًا متزايدًا بفضل الهجرة أغنى مطبخها وفنونها. لكنه لا يُغفل الوجه الآخر: نسبة فقر مرتفعة، وشقق صغيرة، وثقافة مؤسسية مُرهقة تحاصر كثيرًا من السكان. ويختم بأن من يزور طوكيو يعود إلى مدينته وقد أدرك أنها تستطيع أن تكون أكثر مما هي عليه.
نادي القراءة: أن نقرأ معًا
يرى الكاتب جيمس سومرز أن معظم نوادي القراءة تُدار بطريقة خاطئة: يُنهي الجميع الكتاب ثم يلتقون مرة واحدة، فتأتي الملاحظات المضيئة متأخرة لا ينتفع بها أحد. أما ناديه، الذي نشأ لقراءة رواية «إنفينيت جيست» بعد أن عجز أعضاؤه عن إتمامها فرادى، فيجتمع كل أسبوع لمناقشة نحو خمسين صفحة، واستمر على هذا الإيقاع أربع سنوات. والفكرة أن القراءة المشتركة تتيح تبادل الفرضيات أثناء القراءة لا بعدها، والتمهّل عند صفحة أو كلمة دون الشعور بإضاعة وقت الآخرين؛ فالغاية عنده ليست تلخيص ما قُرئ، بل العيش داخله.
مقالات من مَصْدَر
ولمن يشغله أثر الذكاء الاصطناعي في المهن، وهو أحد المحاور التي يتوقّف عندها إريك هول في توقّعاته، نوصي بالعودة إلى عدد 07/10/2026 من مَصْدَر الذي تناول ما يبقى من العمل في زمن الآلة.
🔗 من شبكتنا
وعلى صلة بحديث المدن والقراءة، نقترح من مدوّنة طاء سين شذرة المدن الكبيرة وشعور التأخّر الدائم، ومن منصة «فكرة» تأمّلًا بعنوان فنّ الاستغناء عن أغلب ما نقرأ.
شكرًا لقراءتكم، وموعدنا في العدد القادم من مَصْدَر.
المصدر : https://masdar.articlophile.net/blog/i/98376216/ma...










