صباح الخير، أو مساء إن كنتم تتصفحون هذا العدد في وقت متأخر. في زاوية اليوم من مَصْدَر: معيار بسيط يساعدكم على تقرير متى تستعينون بالذكاء الاصطناعي ومتى تُبعدونه عن الطريق، ولماذا يستحق العلم "الراسخ" الهادئ اهتماما أكبر من عناوين الأخبار العلمية المثيرة، ورحلة في تاريخ الألوان من صبغة وردية صنعتها بكتيريا قبل أكثر من مليار سنة إلى لغز اللون البنفسجي الذي غاب عن اللوحات قرونا، وأخيرا انطباعات من إقامة طويلة في طوكيو تكشف كيف تضبط اليابان نظامها الاجتماعي دون قوانين ظاهرة.
الذكاء الاصطناعي: متى نستعين به ومتى نبتعد عنه؟
يقترح الباحث الأمني بروس شناير، في مقال نشره على مدونته، معيارا بسيطا لتحديد متى يكون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي مفيدة ومتى تكون ضارة، مستعيرا فكرة من الباحث دانيال مايسلر: الفرق بين "العمل" و"صالة الرياضة". فحين تكون المهمة مجرد عمل يجب إنجازه دون أن تهم طريقة إنجازه - نقل غرض ثقيل من مكان إلى آخر مثلا - فالاستعانة بأداة مساعدة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، أمر منطقي تماما. أما حين تكون المهمة أشبه بحصة تمرين، حيث العملية نفسها لا النتيجة وحدها هي الهدف، فتكليف آلة بأدائها يفرغها من قيمتها، تماما كما لا معنى لروبوت يرفع الأثقال بدلا منك في صالة الرياضة. ويوضح شناير، الذي يدرّس السياسات العامة في جامعة هارفارد، أنه يطبق هذا المعيار على واجبات طلابه الكتابية: فهو لا يطلب منهم كتابة المذكرات لأن العالم يحتاجها، بل لأن فعل الكتابة نفسه - التفكير والتخطيط والصياغة والمراجعة - هو ما يبني قدرتهم على التفكير النقدي، وهي مهارة تضمر إن لم تُمارَس باستمرار.
في مديح العلم "الراسخ"
في مقال على مدونته Astral Codex Ten، يدافع الكاتب سكوت ألكسندر عن فكرة بسيطة: أن الاكتفاء بمتابعة عناوين الأخبار العلمية المثيرة - تلك التي تعتمد غالبا على دراسة واحدة صغيرة لم تخضع بعد لإعادة الاختبار - يترك القارئ بصورة مشوشة ومتقلبة عن العلم، بينما يوجد إلى جانبها كنز من "العلم الراسخ": معارف اختُبرت عبر عقود وتراكمت عليها أدلة متعددة، مثل دور مادة الدوبامين في التعلم من الأخطاء، أو انقسام الذاكرة إلى أنواع فورية وقصيرة وطويلة المدى تتحكم فيها مناطق مختلفة من الدماغ. ويذكّر ألكسندر بمقولة قديمة للكاتب إلعازر يودكوفسكي مفادها أن الاهتمام حصرا بالمسائل العلمية المثيرة للجدل يترك عقل المرء مليئا بمعلومات هشة، وأن قراءة كتاب مبسط في العلوم الأساسية من حين لآخر أجدى من متابعة كل دراسة جديدة تتصدر العناوين، لأن جمال العلم الحقيقي يكمن غالبا فيما استقر منه لا فيما لا يزال قيد الجدل.
الألوان: من بكتيريا صنعت الوردي إلى لغز البنفسجي
في قائمة قراءات نشرها موقع Longreads بعنوان "الحياة بالألوان"، تجمع الشاعرة والباحثة اللغوية كانيا كانشانا مجموعة من أغرب حكايات الألوان عبر التاريخ والعلم. تبدأ القصة قبل أكثر من مليار سنة حين أنتجت بكتيريا زرقاء صبغة وردية كانت على الأرجح أول لون حيوي على الأرض، لتظل الكائنات الحية مرتبطة باللون منذ ذلك الحين. ويستعرض المقال كيف كان اللون الأزرق، المستخرج من حجر اللازورد الأفغاني، أثمن من الذهب لقرون، حتى إن المصريين القدماء استخدموه لتزيين وجوه ملوكهم الموتى. أما أغرب حكاياته فتتعلق باللون البنفسجي: يذكر الباحث ألن تاغر أنه بعد فحص ما يقارب 140 ألف عمل فني في 193 متحفا حول العالم، لاحظ أن هذا اللون كان شبه غائب عن اللوحات قبل ستينيات القرن التاسع عشر، ليصبح فجأة مهووسا به الانطباعيون بعدها، دون أن يُحسم بعد ما إذا كان السبب تطورا في تركيبة الأصباغ أم تغيرا فعليا في قدرة العين البشرية على إدراكه.
طوكيو: مجتمع يضبط نفسه بلا قوانين ظاهرة
يروي رائد الأعمال بن كاسنوكا، في تدوينة مطوّلة على موقعه الشخصي بعد إقامة طويلة في طوكيو، ملاحظات طريفة عن دقة الحياة اليابانية اليومية. من ذلك أنه سمع يوما موسيقى جاز تنبعث من مكتبه دون سبب واضح، ليكتشف بعد الاستفسار أنها إشارة اختبار دوري لأجهزة الإنذار من الحريق، إذ صُمّمت التنبيهات لتكون هادئة لا صاخبة. ويلاحظ الكاتب أن اليابانيين يلتزمون بالقواعد - مثل الانتظار حتى تتحول إشارة المرور إلى الأخضر حتى في شارع خالٍ تماما من السيارات - ليس بدافع القانون كما في سنغافورة، بل بدافع ثقافي راسخ لا تسنده لافتات تحذيرية ولا غرامات. ويصف كيف يمكن لطفل في الخامسة أن يتجول بمفرده في شوارع مدينة بحجم طوكيو دون قلق، وكيف تسود الأماكن العامة هناك درجة لافتة من الهدوء، فلا أحد يتحدث بصوت مرتفع في الهاتف أو في مترو الأنفاق. وخلاصته أن اليابان مجتمع يقدّم "الطقوس" على "الفلسفة"، حيث الشكل والانضباط في أداء الأشياء لا يقلان أهمية عن مضمونها.
🔗 من شبكتنا
لمن يتابع تحولات الذكاء الاصطناعي في المغرب والعالم العربي، يرصد العدد التاسع من نشرة التحوّل الرقمي على منصة ذكاءات كيف تنتقل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي من الرؤية إلى التطبيق، إلى جانب أبرز المستجدات العربية والعالمية في المجال.
إلى هنا ينتهي عدد اليوم من مَصْدَر. نلقاكم بمزيد من القراءات والأفكار التي تستحق التوقف عندها.
المصدر : https://masdar.articlophile.net/blog/i/97993861/ma...