صباح الخير، أو مساؤه إن كنتم تتصفحون هذا العدد في وقت متأخر. في زاوية اليوم من مَصْدَر: كيف يساعد الذكاء الاصطناعي على طرح أسئلة أذكى، وكيف تكشف رائحة الجسد عن أمراض خفية، ولماذا تُهدر أندية القراءة التقليدية فرصتها، وسؤال سيث غودين القديم عن إدارة الذات.
الذكاء الاصطناعي وفن طرح الأسئلة
حتى وقت قريب، كانت الشركات تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لخفض التكاليف وأتمتة المهام الروتينية لا أكثر. لكن دراسة أجرتها مجلة Harvard Business Review شملت نحو مائتي قيادي من أكثر من ثلاثين دولة تكشف أن القيمة الأكبر لهذه التقنية تكمن في مكان آخر: قدرتها على مساعدة الناس على طرح أسئلة أفضل. فحين تتولى الخوارزميات الإجابة عن الأسئلة البسيطة والمباشرة فورًا، يتفرغ البشر لأسئلة أعمق وأكثر تعقيدًا؛ إذ لاحظ الرئيس التنفيذي لشركة الأمن السيبراني Cybereason أن السرعة التي توفرها الأداة في تحديد "ماذا حدث" في اختراق ما، فتحت المجال أمام فريقه لطرح أسئلة أعمق حول "لماذا حدث" ونوايا المهاجمين. وفي شركة Colgate-Palmolive، استخدم فريق التحليل التنبؤي الذكاء الاصطناعي لتتبع كيف تحوّل الفحم إلى مكوّن رائج في منتجات العناية، ليكتشفوا نمطًا امتد عقدين من الزمن عبر منتجات وأسواق مختلفة.
تخلص الدراسة إلى أن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي تتطلب ثقافة مؤسسية تكافئ طرح الأسئلة الكبيرة، لا فقط الحصول على إجابات سريعة، وأن الجمع بين قدرة الآلة على معالجة كمّ هائل من البيانات وقدرة الإنسان على الحكم والتخيل هو ما يحوّل "المجهول الذي لا نعرف أننا نجهله" إلى اكتشافات نوعية.
حين تكشف رائحة الجسد عن مرض
تغيّر الأمراض من طريقة عمل الجسم، فتُنتج جزيئات متطايرة صغيرة تنتقل عبر الدم وتخرج مع النفَس أو العرق أو البول، وفق الباحث يهودا زيري من جامعة بن غوريون في إسرائيل، الذي يشبّه هذه "البصمة التنفسية" ببصمة الإصبع. وتشير مراجعة علمية حديثة إلى أن الرائحة يمكن أن تحمل مؤشرات على أمراض متعددة: فدراسة أجريت عام 2016 تمكّنت من كشف تسمم الحمل بدقة بلغت 84 بالمئة عبر تحليل نفَس الأمهات، بينما طوّرت شركة إسرائيلية جهازًا يشبه جهاز قياس الكحول يكتشف سرطان الرئة بدقة تصل إلى 90 بالمئة عبر رائحة خاصة تُطلقها الخلايا السرطانية، وتُستخدم التقنية نفسها لرصد مؤشرات على مرض باركنسون والفشل الكلوي والتصلب اللويحي المتعدد.
كما طوّر باحثون في جامعة إلينوي شريحة استشعار رخيصة يمكن التخلص منها للكشف المبكر عن الفشل الكلوي، فيما يلاحظ أطباء أن مرضى السكري قد تصدر عن أنفاسهم رائحة تشبه الفاكهة، وهي علامة قد تنذر بحالة الحماض الكيتوني الخطرة. ورغم أن هذه الأبحاث ما تزال في طور التطوير ولم تتحول بعد إلى أدوات تشخيص معتمدة في العيادات، فإنها تفتح أفقًا واعدًا لتشخيص أمراض خطيرة في وقت أبكر وبتكلفة أقل.
أندية القراءة: فرصة جماعية تُهدر غالبًا
يرى الكاتب جيمس سومرز في مقال نشره على مدونته الشخصية أن الطريقة المعتادة لإدارة أندية القراءة — إنهاء الكتاب كاملاً قبل عقد لقاء واحد لمناقشته — تُهدر أغلب القيمة التي يمكن أن يقدمها النقاش الجماعي. فحين تُطرح في ذلك اللقاء فكرة تُعيد تشكيل فهمك للكتاب، يكون الأوان قد فات، لأنك أنهيت القراءة ولن تعود إليها غالبًا.
لهذا يدير سومرز ناديه، الذي انطلق قبل نحو أربع سنوات لقراءة رواية صعبة، بطريقة مختلفة: لقاء أسبوعي يناقش فيه الأعضاء نحو خمسين صفحة في كل مرة، بما يتيح تبادل الملاحظات أثناء القراءة لا بعدها، على غرار ما يحدث في فصل دراسي جيد. ويخلص إلى أن جوهر النادي الناجح ليس "إنهاء" الكتاب، بل "العيش داخله" جماعيًا أسبوعًا بعد أسبوع.
من يدير حياتك؟ سؤال سيث غودين الذي لا يزال صالحًا
في تدوينة قصيرة له، يذكّر الكاتب والمسوّق سيث غودين بأن كل واحد منا هو رئيسه في نهاية المطاف، حتى وإن كان موظفًا لدى جهة أخرى: نحن من يدير مسيرته المهنية، ويومه، وحديثه الداخلي مع نفسه. ويرى أن أغلبنا يقوم بهذه المهمة بشكل رديء: فلو كان لنا مدير يخاطبنا بالطريقة التي نخاطب بها أنفسنا أحيانًا، لتركنا العمل فورًا، ولو كان رئيسًا يهدر وقتنا كما نهدره نحن، لطردناه.
ويلاحظ غودين أن كثيرين، حين تُتاح لهم حرية وضع أجندتهم الخاصة، يترددون ويتعثرون بدل اغتنام الفرصة. ويختم بأن الكتب التي تعلّم إدارة الذات أقل بكثير من تلك التي تعلّم إدارة الآخرين، رغم أنها ربما تكون أهم مهارة يمكن تعلّمها.
🔗 من شبكتنا
لمن يريد متابعة موضوع الذكاء الاصطناعي بتفصيل أكبر، نُشر مؤخرًا على إنتلجنسات مقالان ذوا صلة: الأول عن الذكاء الاصطناعي يفرض واقعًا جديدًا بين التسارع وفقدان السيطرة، والثاني عن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم دور الأطباء في الرعاية الصحية.
إلى هنا ينتهي عدد اليوم من مَصْدَر. نلقاكم غدًا بمزيد من القراءات والاقتباسات.
المصدر : https://masdar.articlophile.net/blog/i/97973328/ma...