في إيطاليا، حيث تظل الروابط العائلية عنصراً حاضراً بقوة في الحياة العامة، اختارت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن تستثمر مناسبة «عيد الأم» لتقديم رسالة شخصية تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واضحة. فقد نشرت صورة نادرة تجمعها بابنتها جينيفرا، ظهر فيها وجهها مبتسماً فيما بدا وجه الطفلة محجوباً من الخلف، في محاولة للجمع بين إظهار الحميمية العائلية والحفاظ على قدر من الخصوصية. هذا الاختيار البصري ينسجم مع صورة سياسية دأبت ميلوني على بنائها، تقوم على إبراز نفسها كأم عاملة تتحمل مسؤولية قيادة الحكومة دون التخلي عن دورها داخل الأسرة.
النص المرافق للصورة ركّز على تجربة الأمومة بوصفها هدية كبرى وتحدياً مستمراً في آن واحد، حيث تحدثت ميلوني عن التحوّل الداخلي الذي يطرأ على المرأة عندما تصبح أماً، وكيف يمنحها ذلك شعوراً متزايداً بالقوة مع بقاء مساحة للهشاشة الإنسانية. وقدمت تصوراً للأم باعتبارها الشخص الحاضر دوماً رغم التعب، الذي يكرّس عاطفته في تفاصيل بسيطة، ويتقبل التضحيات اليومية ويستمر في العطاء حتى عندما يظن أنه استنفد كل ما لديه من طاقة. من خلال هذا الخطاب، تعيد رئيسة الوزراء صياغة صورة الأم التقليدية في قالب معاصر، يجمع بين الوظيفة العائلية والالتزامات المهنية، ويعكس رؤية تعتبر أن نجاح المرأة في العمل لا ينفصل عن دورها داخل البيت.
هذا البعد الشخصي في الرسالة ترافق مع إشارة واضحة إلى أوضاع الأمهات في المجتمع الإيطالي، إذ لفتت ميلوني الانتباه إلى النساء اللواتي يقضين يومهن في حركة لا تتوقف، وإلى الأمهات اللواتي يحملن أعباء القلق بصمت ومن دون اعتراف كافٍ بما يبذلنه من جهد غير مرئي. بذلك تحاول تحويل مناسبة احتفالية إلى فرصة للتذكير بالعمل غير المأجور الذي تضطلع به النساء داخل الأسرة، وما يرافقه من توتر نفسي وإرهاق بدني. هذا النوع من اللغة سبق أن ظهر في مداخلات أخرى لها خلال مناسبات موجهة للنساء، حيث شددت على ضرورة إزالة العراقيل التي تعترض مشاركة المرأة في سوق العمل، مع الإصرار في الوقت نفسه على مكانة الأسرة بوصفها المحور الذي تدور حوله الحياة الاجتماعية.
تجربة الأمومة نفسها تشكل منذ سنوات إحدى الركائز الأساسية في البناء السردي لصورة ميلوني السياسية. فهي كثيراً ما قدمت نفسها من خلال تعريف ثلاثي يقوم على كونها امرأة وأماً ومسيحية، ما منحها حضوراً مميزاً داخل اليمين الإيطالي والأوروبي. ومع دخولها رئاسة الحكومة، واصلت الاعتماد على هذا التعريف في أحاديث إعلامية مطولة وحوارات شخصية، تؤكد فيها أن إنجاب ابنتها جينيفرا مثّل نقطة تحول في حياتها. وتروي أن هذه التجربة جعلتها أكثر ميلاً إلى البراغماتية، وأكثر تركيزاً على ما تعتبره جوهرياً في القرارات التي تتخذها على رأس السلطة التنفيذية. كما تشير إلى أنها تفكر «كأم» حتى خلال اجتماعات مجلس الوزراء، في إشارة صريحة إلى انتقال الخبرة العائلية إلى طريقة إدارتها للشأن العام.
الظروف التي أحاطت بولادة جينيفرا عام 2016 تكشف عن كيفية توظيف ميلوني لمسارها الشخصي في صياغة هويتها السياسية. فقد جاءت الأمومة وهي في قلب نشاطها الحزبي والبرلماني، وحرصت في تلك المرحلة على الظهور كسياسية تواصل عملها حتى في فترة الحمل، قبل أن تعلن عن ولادة طفلتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. هذا التداخل بين الحياة الخاصة والمسار العام أسهم في تكريس صورة امرأة تحاول التوفيق بين المجالين، واستثمرته لاحقاً لتأكيد قدرتها على تحمل أعباء المنصب الحكومي مع المحافظة على حضورها داخل الأسرة. في المقابل، يرى منتقدون أن هذا الخطاب يعيد إنتاج نموذج للأم يقوم على التضحية الدائمة، مع توظيف ذلك لخدمة مشروع سياسي محافظ يعطي الأولوية للبنية العائلية التقليدية.
من خلال منشورها الأخير في عيد الأم، تجمع ميلوني بين لحظة تبدو عائلية خالصة ورسالة تتجاوز حدود الصورة الشخصية، لتصل إلى جمهور واسع داخل إيطاليا وخارجها. فالحديث عن قوة الأمهات، والتعاطف مع تعبهن اليومي، يتكامل مع رؤية سياسية تعتبر تشجيع الولادات ودعم الأسر أداة أساسية لمواجهة التحديات السكانية والاقتصادية التي تمر بها البلاد. وهكذا تتحول مناسبة رمزية مثل «عيد الأم» إلى منصة لإعادة صياغة سردية متكاملة، تتداخل فيها عناصر الهوية الشخصية مع خطاب قومي محافظ يمنح الأسرة والأمومة مكانة مركزية في تعريف الأمة نفسها.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96520639/mylony-tga...