ميلاد «العلم الحساس» عند جورج فورستر: قراءة في مقالة ماريا بوبوفا


Rédigé le الأربعاء 8 يوليو/جويلية 2026 à 18:26 | Lu 1 commentaire(s)



تتناول مقالة نُشرت في موقع The Marginalian صورة مركّبة للمستكشف والكاتب الألماني جورج فورستر، كما أعادت رسمها المؤرخة الألمانية أندريا فولف في كتابها عنه، مع التركيز على البعد المعرفي الذي يجمع بين العلم والإحساس وتجربة الرحلة في القرن الثامن عشر. يقدّم النص مادة أولية غنية لقراءة نقدية حول تاريخ العلم، وحدود العقلانية الكارتيزيانية، ودور العاطفة في تشكيل الممارسة العلمية الحديثة.



بين التراث اللاهوتي والتمرد الفكري

تنطلق ماريا بوبوفا، كاتبة المقالة، من فكرة أن "العقول العظيمة" هي في آن واحد نتاج عصرها ومتجاوِزة له، وتضع فورستر داخل هذا التوتر بين الانغراس في ثقافة لاهوتية بروتستانتية صارمة ومحاولة الانفلات منها عبر إعادة تعريف مفهوم الإله بوصفه مرادفًا للطبيعة و"قوة حية فاعلة" تتجلى في شبكة مترابطة من الكائنات والظواهر. في رسائله المبكرة إلى شقيقته، يظهر فورستر شابًا يرى السعادة في القرب من الله، قبل أن يميل لاحقًا إلى تصوّر كوني للطبيعة بوصفها "نظام توافق إلهي"، ما يعكس تحوّلًا من الإيمان الشخصي إلى رؤية شبه بانثيستية توظّف اللغة الدينية في خدمة منظور طبيعي شامل.


من رحلات كوك إلى أثر فكري على هومبولت

تستثمر المقالة سيرة فورستر لإعادة قراءة الرحلات العلمية الكبرى، وخصوصًا مشاركته كطبيعي شاب في إحدى رحلات الكابتن جيمس كوك إلى البحار الجنوبية. في تلك الرحلة يتبلور لديه نقد مبكر للتقسيمات الاصطناعية بين الأعراق والأجناس، وبين الجسد والعقل، وبين المراقِب والموضوع المراقَب، وهو مسار يجعل منه أحد الجذور الفكرية لما سيُعرف لاحقًا بالحساسية الأنثروبولوجية والبيئية في القرن التاسع عشر، لا سيما في أثره المعلَن على عالم الطبيعة ألكسندر فون هومبولت، الذي اعترف بأنه مدين كثيرًا لفورستر بوصفه "المعلم والصديق".



مفهوم «العلم الحساس»

ترتكز المقالة على مفهوم "العلم الحساس"، وهو ترجمة تقريبية لما تعرضه أندريا فولف من تركيز فورستر على كلمة Empfindung الألمانية، أي الإحساس بمعناه المركّب الذي يجمع بين الإدراك الحسي والقدرة الشعورية والوعي بالتجربة الذاتية للعالم. في هذا الإطار، يُستحضَر نقد فورستر لهيمنة "العقل البارد" وخوفه من تحويله إلى "صنم" يُعبد على حساب الشعور، وهو نقد تقدّمه بوبوفا بوصفه سبقًا تاريخيًا على النقاشات المعاصرة حول دور العاطفة في إنتاج المعرفة، من فلسفة مارثا نوسباوم إلى تأملات فلسفة العلم في أثر الملاحظ على الملحوظ.


رفض «جامع المعطيات» وذاتية منضبطة

في إعادة صياغة موقفه من الممارسة العلمية، يرفض فورستر أن يكون "جامع معطيات" يكتفي بتكديس الوقائع دون بناء معنى، معتبرًا أن مجرد تجميع البيانات في العالم لم يكن يؤدي بالضرورة إلى زيادة في المعرفة. يعكس هذا الرفض تصورًا للعلم يتجاوز التجربة التجريبية المتكررة نحو إدماج التجربة الفردية، حيث يؤكد فورستر أن مسافرين اثنين لا يرى كل منهما الشيء نفسه بالطريقة نفسها، وأن التقارير العلمية تتأثر دومًا بالإحساس والنمط الفكري الخاص بكل مراقِب. وتقدّم هذه المقاربة للأعمال الصحفية والعلمية المعاصرة إطارًا للتفكير في الذاتية المنضبطة، لا بوصفها تحيزًا يجب محوه، بل بوصفها عنصرًا مكوِّنًا للفهم العلمي حين يُدرَك ويُشتغل عليه بوعي نقدي.


فورستر بين دقة العالِم وحساسية الشاعر

تقدّم بوبوفا فورستر أيضًا ككاتب أقرب إلى الشاعر في طريقة ملاحظته للطبيعة، فتصفه بأنه يتحرك في العالم بحساسية شاعرية، منفتحًا بحواسه كاملة على دهشة العالم الطبيعي من حوله، بين الأزهار البرية والنجوم. لا يقتصر هذا الوصف على البعد الجمالي، بل يخدم فكرة مركزية في المقالة مفادها أن الحدود بين العلم والأدب كانت أقل صرامة في عصر فورستر، وأن نصوصه الرحلية شكّلت مادة هجينة تجمع بين الوصف العلمي والسطور التأملية، وتؤسس لتقاليد سردية في الكتابة عن الطبيعة والبيئة لا تزال حاضرة في أدب الرحلات المعاصر.


حب الطبيعة وحب البشر

يتخذ التوتر بين العقل والعاطفة لدى فورستر بعدًا سياسيًا وإنسانيًا أيضًا، كما تعرضه فولف: فحبه للطبيعة متداخل مع حبه للبشر، إلى درجة يصف فيها الحب الإنساني، في إحدى عباراته، بأنه أعلى أشكال المعرفة لأنه يربط البشر بعضهم ببعض مهما تباعدت المسافات. يفتح هذا التداخل بين الإيتيقي والمعرفي بابًا لقراءة فورستر ضمن سلسلة من المفكرين الذين سعوا إلى وصل العلم بالمسؤولية الأخلاقية، حتى وإن لم يُقدَّم في المقالة كمنظّر سياسي مباشر، بل كسيرة فردية تشي بنزعة إنسانية قوية.


تتيح سيرة فورستر إعادة قراءة لحظة تاريخية بعينها، حيث لم تكن الحدود بين العلم والأدب، أو بين العقل والعاطفة، قد ترسّخت بالصرامة التي عرفتها القرون اللاحقة. فمسار هذا الطبيعي يربط بين أبحاثه في الرحلات الاستكشافية، ونقده المبكر للتصنيفات الجامدة بين الأعراق، وتأثيره في عالم بارز كهومبولت، ليرسم صورة عن إمكانية أن يكون الإحساس جزءًا من المعرفة لا نقيضًا لها. وتظل هذه الفكرة، التي عاشها فورستر في القرن الثامن عشر، قريبة من نقاشات اليوم حول مكانة العاطفة في الكتابة عن العلم والطبيعة، وعن أثر التراث البيئي المبكر لهومبولت في الخطاب البيئي المعاصر، وعن العلاقة بين المناخ والثقافة كما عاشها هذان الرحالة قبل أكثر من قرنين.


يمنح النص أيضًا فرصة لمحور حول دور المؤرخين وكُتّاب السيرة، مثل أندريا فولف، في إعادة إدخال شخصيات هامشية أو منسية إلى مركز النقاش حول تاريخ الأفكار العلمية والبيئية. فاختيار فورستر، بوصفه طبيعيًا وكاتب رحلات وفاعلًا في زمن الثورة الفرنسية، يتيح بناء سردية تتقاطع فيها جغرافيا البحار الجنوبية مع باريس الثورية، وتربط بين العلم والسياسة والعواطف الفردية في قصة واحدة قابلة لإعادة التوظيف في أشكال صحفية متعددة، من البورتريه الطويل إلى التحقيق التاريخي.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97148550/g...


: في نفس القسم