تقول الصحفية إن الفكرة راودتها خلال سهرة صيفية في سنتها الجامعية الثالثة، حين شاركت في بروفة لنادي المسرح مرتدية قميصا أسود كشف عن حمالات صدرها البيضاء. لاحظ صديقها آنذاك ذلك وأعاد ترتيب القميص بهدوء لإخفائها، وهي لفتة أزعجتها وجعلتها تتساءل لماذا يجب ألا تكون تلك الحمالات ظاهرة أصلا. الأمر أعادها إلى ذكرى من أيام الإعدادية، حين توقفت زميلة لها متأخرة عن موعدها لمجرد تنبيهها إلى أن حمالة صدرها بارزة، وكأن ذلك يستحق كل هذا الاهتمام رغم أن كل النساء يرتدين واحدة.
في طفولتها، كانت والدتها تصر عند نشر الغسيل على ألا تُعلَّق حمالات الصدر والملابس الداخلية الملطخة بدم الدورة الشهرية في وسط حبل الغسيل، بل عند أحد طرفيه. لم تفهم يومها لماذا يجب إخفاء الملابس النسائية وحدها في زاوية، فتعمدت مرة تعليق حمالة صدرها في مكان بارز إلى جانب مبخرة، ما أزعج والدتها التي انتزعت منها العصا قائلة: "دعيني أتولى الأمر بنفسي".
لم تكن تفهم لماذا يُعد موضوع حمالات الصدر حساسا إلى هذا الحد في بيتها، رغم وجود قطاع كامل لصناعتها في مدينة مجاورة، حيث عمل كثير من نساء المنطقة ورجالها، بل إن ابنة عمها تعرفت هناك على زوجها المستقبلي. حين تساءلت يوما أمام صديقة طفولتها عن سبب شراء حمالات صدر جميلة إن كانت لا تُعرض، أجابتها صديقتها بابتسامة عارفة أن السبب هو إعجاب زوج أختها بها، في إشارة إلى أن حمالة الصدر تحمل دلالات جنسية واضحة، خصوصا في نظر الرجال، وهو ما يفسر حساسيتها الاجتماعية.
مثّلت حمالة الصدر بالنسبة لها آنذاك علامة على النضج، وكانت متلهفة لارتدائها لأن ذلك يعني أنها لم تعد طفلة بل صبية. اشترت والدتها لها أول حمالة صدر بمقاس واحد يناسب المراهقات، دون أي زخرفة، بلونين فقط أبيض أو أسود، بثمن زهيد لا يتجاوز بضعة يوانات. ورغم أن تلك الحمالات كانت تترك آثارا حمراء على جلدها، فقد بدا لها آنذاك أن مواكبة أقرانها في هذا الأمر أمر بالغ الأهمية، فكانت تقارن مقاسها بمقاسات صديقاتها باستمرار، خشية أن تتخلف عن الركب.
خلال عمل صيفي في مصنع لحمالات الصدر قريب من بيتها، بقيت في ذاكرتها ملاحظة زميل شاب مفادها أن المرأة التي يقل وزنها عن خمسين كيلوغراما تعني أنها نحيفة ولا صدر لها، رغم أن وزنها آنذاك كان نحو خمسة وأربعين كيلوغراما بطول متر وستين سنتيمترا. دفعها ذلك إلى البحث عبر الإنترنت، حيث وجدت أن محركات البحث تصنف عادة الأثداء الأصغر من مقاس "A" على أنها "صدر مسطح"، وصادفت مقالات من قبيل "ماذا أفعل إن كان صدري مسطحا؟" أو "حيل مضمونة للحصول على صدر ممتلئ"، قبل أن تكتشف أن أسرع وسيلة لإعطاء انطباع بوجود صدر بارز هي شراء حمالة صدر رافعة بثمن يفوق مئتي يوان.
وعلى منصة "ريديت"، وقعت الصحفية على منشور بعنوان "إن كنت أفتقر إلى الثقة بنفسي، فذلك لأن صدري صغير"، تروي فيه فتاة في السابعة عشرة شعورها بأنها الأقل جاذبية بين أقرانها بسبب صغر صدرها، وتساءلت إن كان بإمكان الشبان أن يجدوا الصدر المسطح جذابا. وفي المقابل، عبّرت امرأة ثلاثينية في التعليقات عن معاناتها المعاكسة مع صدر كبير يسبب لها التعرق والاحمرار والتهيج بسبب ضغط حمالة الصدر على جلدها، وصعوبة ممارسة الجري والنظرات الغريبة التي تلقاها، إلى حد أنها فكرت مؤقتا في إجراء عملية استئصال لتعيش بحرية أكبر.
وتخلص الكاتبة إلى أن معايير "الصدر الجميل" لم يكن للمرأة يوما حق تحديدها بنفسها، بل فُرضت عليها من خطاب تجاري قائم على الربح ومن المخيال الذكوري الجنسي، في وقت ظلت فيه المرأة، على المستوى الاجتماعي والثقافي، موضوعا للرغبة، فأصبح عدم مطابقتها لتلك الصورة مصدر قلق داخلي متجذر لديها. فصدر المرأة، في نظرها، محكوم بمعادلة صعبة: لا يجب أن يكون بارزا أكثر من اللازم ولا خفيا تماما، ولا موحيا أكثر من اللازم، دون أن يكون للمرأة نفسها كلمة في تحديد ما إذا كان "مسطحا" أو "ممتلئا" يعني أنه جميل.
حين التحقت بالجامعة، كانت قد أمضت ست سنوات وهي ترتدي حمالة الصدر. انتقلت لفترة إلى مقاسات "الكبار"، لكنها لم تلائم شكل صدرها، إذ كانت ضيقة جدا من الأسفل وغير كافية الدعم من الأعلى، فتحول ارتداؤها إلى عذاب حقيقي كانت تتحمله بصعوبة خلال الحصص الدراسية، لكنها كانت تسارع بمجرد عودتها إلى غرفتها الجامعية إلى نزعها، فتشعر وكأنها تحررت من قيودها وعاد جسدها يتنفس من جديد. وتقول إنها أدركت حينها أن المرأة تعيش تناقضا: فعدم ارتداء حمالة الصدر أمر غير لائق، لكن إظهار أنها ترتديها ليس لائقا هو الآخر، وهي ازدواجية أزعجتها كثيرا.
في مقهى للشاي بمدينة كانتون، وبينما كانت تهم بالمغادرة، نظر إليها أحد النادلين بحرج وطلب منها "تعديل هندامها قليلا"، فظنت للحظة أن تنورتها البيضاء ملطخة بدم الدورة الشهرية، قبل أن يوضح لها متلعثما أن ملابسها العلوية الضيقة، مع عدم ارتدائها حمالة صدر، تكشف عن ملامح صدرها. ردت عليه ببساطة أن الأمر لا يعنيها، متسائلة عن سبب كل هذا الاهتمام رغم أن عدم ارتداء حمالة صدر لا يعني أنها عارية، ومتسائلة أيضا لماذا لا يُلام الرجال الذين يتجولون عراة الصدر.
تخلص الصحفية إلى أن حضور صدر المرأة في الفضاء العام يخضع لقواعد ضمنية لكنها صارمة: يمكن إظهار خط الصدر وانحناءات الثديين، وهو ما قد يثير الرغبة والنظرات المستمرة، في حين يجب أن تبقى الحلمتان مخفيتين تماما، وإلا اعتُبر ذلك غير لائق. خلال تدريب لها في شركة كبرى ببكين، اقترحت في اجتماع لاختيار مواضيع لبرنامج علمي عام مناقشة ما إذا كان عدم ارتداء حمالة الصدر يؤدي على المدى الطويل إلى ترهل الثديين، موضحة أن هذا القلق شائع بين النساء لكن الدراسات العلمية تنفيه، بينما الحمل هو ما قد يسبب فعلا هذا الترهل بسبب تمدد الثديين وانكماشهما المتكرر. لكن الاقتراح قوبل بصمت تام من الحاضرين، ثلثاهم تقريبا من الرجال، قبل أن يعترف المسؤول عن اختيار المواضيع بحرج بقلة خبرة الفريق في هذا المجال، وينتقل الجميع مباشرة إلى موضوع آخر.
وخلال رحلة إلى مقاطعة يونان، روى لها زميل سكنها قصة فتاة سبحت بلا ملابس علوية في أحد الأنهار، فقام أحدهم بتصويرها ونشر الفيديو على الإنترنت. وحين أبدت استياءها من نشر صور شخص دون علمه، رد عليها أن الفتاة أخطأت بالسباحة دون قطعة علوية وأنه لا يمكن لوم من صورها، فردت متسائلة لماذا لا يحتاج الرجال إلى ارتداء حمالة صدر بينما تُلزَم بها النساء. اعتبر زميلها أن الفارق التشريحي بين الجنسين يبرر ذلك، فأجابته أن هذا مجرد وجهة نظر ذكورية، موضحة أنها لا ترى في صدرها سوى جزء من الجسد كأي جزء آخر، دون أي بعد جنسي في نظرها.
تخلص إلى أنه، من الناحية التشريحية، لا فرق جوهريا بين صدر الرجل وصدر المرأة، لكنهما اكتسبا دلالة اجتماعية مختلفة تماما؛ فالقواعد لا تحكم الجسد نفسه بقدر ما تحكم الحقوق الجسدية المتفاوتة بين الجنسين في الفضاء العام. وتضيف أن نظرتها إلى صدرها في المرآة لا يحركها إحساس جنسي، بل حاجة إلى فحصه للتأكد من خلوه من أي كتلة قد تنذر بسرطان الثدي، وهي نصيحة تلقتها من طبيب مدرستها في مرحلة الإعدادية. أما البعد الإغرائي للصدر، في رأيها، فليس سوى إسقاط للمخيال الذكوري، في حين أن ما يهمها فعلا هو أن يكون صدرها سليما وصحيا.
قبل ستة أشهر، أرسلت لها والدتها رابط حمالة صدر معروضة بثمن زهيد على تطبيق تسوق، فأجابتها ضاحكة أنها لم ترتد واحدة منذ أربع سنوات، ما أثار استغراب والدتها التي تساءلت إن كانت لا تشعر بالفراغ أو الغرابة دون ذلك، فردت عليها بأنها على العكس تشعر بالتحرر. وفي صباح شتوي، وهي تضع كريم الجسد أمام المرآة، لاحظت للمرة الأولى بانتباه أن صدرها جميل، لا بجمال إغرائي بل بجمال بسيط أشبه بجمال عينين حسنتين أو يدين جميلتين، لتخلص إلى أن جسد المرأة، بمعزل عن النظرة الذكورية، ليس في نهاية المطاف سوى جسد كأي جسد آخر. القصة الكاملة، التي ترجمتها مجلة كورييه انترناسيونال عن الأصل الصيني المنشور على منصة "ويشات"، متاحة للمشتركين في الموقع الفرنسي.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97765151/m...