«نحن نصرخ». هكذا وصف أولي رايسمان، مدير الذكاء الاصطناعي في مجلة «دير شبيغل» الألمانية، شعوره حيال أسئلة الحوكمة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي على غرف الأخبار. يقول: «نحن اليوم نُفكك مضموننا ونسلّم أجزاءه لنظام ذكاء اصطناعي لا نتحكم فيه، وقد تكون لديه انحيازات لا نعرفها، ثم يعيد تجميعها وينسبها إلى اسمنا وعلامتنا. كيف يبدو ذلك؟ نحن نصرخ».
«دير شبيغل» ليست وحدها في مواجهة هذا التحدي. ففي تحقيق أجرته الصحفية رامها شارما لمعهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد، تحدثت الكاتبة مع عشرين من قادة الإعلام والخبراء والأكاديميين من ثلاث عشرة دولة، فتبيّن أن كل مؤسسة تقريبا تصارع لبناء هياكل حوكمة تواكب التوسع المتسارع لهذه الأدوات. واللافت أن أكثر القادة تقدما في هذا المسار وجدوا أن أصعب أسئلة الحوكمة تفضي في النهاية إلى أسئلة وجودية أكبر: ما جدوى الصحافة حين يستطيع نموذج لغوي كبير أن يختزل أي مادة في ثلاث نقاط؟ ومن يتحكم فعليا في الأنظمة التي تشكّل ما يستهلكه الجمهور؟ ومن يتحمّل المسؤولية حين يقع الخطأ؟
ووفق دراسة حديثة أنجزتها مجموعة «إف تي ستراتيجيز» بالتعاون مع الاتحاد العالمي للناشرين والأخبار، شملت 448 غرفة أخبار حول العالم، فإن 57 بالمئة من هذه المؤسسات لا تملك أي تمثيل مؤسسي للذكاء الاصطناعي داخل هيكلها التنظيمي، فيما لا تزال 64 بالمئة منها تنتج محتواها لقناة تقليدية واحدة فقط. أما المقياس الأكثر شيوعا لقياس نجاح الذكاء الاصطناعي فهو الكفاءة، إذ أفادت 42 بالمئة من المؤسسات بأنه وفّر عليها الوقت.
ثلاثة نماذج للحوكمة
تكشف الدراسة عن ثلاث مقاربات عامة لحوكمة الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار. ففي الطرف الأول، تنتشر ممارسات نشأت بشكل عفوي بلا سياسات أو آليات رقابة رسمية، إذ يستخدم الصحفيون أدوات مثل «تشات جي بي تي» دون إطار مؤسسي، غالبا بسبب نقص الموارد أو الوقت. أما المقاربة الثانية فتنطلق من مبادئ توجيهية تدعمها لجان مشتركة بين الأقسام، إلى جانب مبدأ «الإنسان في حلقة القرار» لمراجعة المحتوى المولّد آليا، مع تفاوت المؤسسات في مدى وضوح ربط هذه المبادئ بقيمها الخاصة.
أما المقاربة الثالثة فتتبناها مؤسسات كبرى بنت هياكل أكثر رسمية، مثل الإذاعة الفنلندية «واي.لي»، وهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، والتلفزيون التشيكي، التي خصصت جميعها فرقا مسؤولة عن «الذكاء الاصطناعي المسؤول». ففي بي بي سي، يقوم فريق جيمس فليتشر، المسؤول عن هذا الملف، على ثلاث ركائز: الحوكمة وإدارة المخاطر، والمبادئ والسياسات، والتقييم وعلم البيانات، في حين تبقى وحدة السياسة التحريرية صاحبة القرار في المبادئ التحريرية، ودور فريقه أن يضمن ألا يقوّضها الذكاء الاصطناعي. يقول فليتشر: «نفكر كثيرا في كيفية تحقيق ذلك عبر الثقافة المؤسسية بقدر ما هو عبر الامتثال. لدينا نموذج راسخ في ثقافتنا التحريرية: آلاف الأشخاص يتخذون يوميا قرارات تحريرية تنطوي على مخاطر معتبرة، ويتصرفون غالبا بأنفسهم ويصيبون في الغالب، وإن احتاجوا دعما توجهوا إلى فريق مركزي. هذا هو النموذج الذي نريد تعميمه على حوكمة الذكاء الاصطناعي».
ومن جهتها، بدأت مجموعة «جي بي/بوليتيكنز» الدنماركية مسارها التحكيمي منذ 2019 بالتعاون مع أربع جامعات، بدعم من «صندوق الابتكار الدنماركي»، بهدف تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي مسؤولة وتقليل الاعتماد على شركات التكنولوجيا الكبرى. وأثمر هذا المسار إطارا سمّته المجموعة «بوصلة القيم»، يساعد الناشرين على تحديد دورهم في المجتمع وقيمهم قبل اتخاذ أي قرار تقني. ويقول كاسبر ليندسكو، رئيس قسم الذكاء الاصطناعي في المجموعة: «تطوير أي أداة ذكاء اصطناعي يبدأ بتحديد دورك في المجتمع، بمعزل عن التكنولوجيا، للتأكد من أن جهودك متجذرة في هذا الدور».
ويرى فرانكو بيكاتو، المدير التنفيذي لمنظمة «تشيكيادو» الأرجنتينية للتحقق من الأخبار، أن على المؤسسات الإعلامية مواءمة مبادراتها في الذكاء الاصطناعي مع رسالتها الأساسية، قائلا: «تسرّعنا كثيرا في تبني الذكاء الاصطناعي لأنه الجديد اللامع. لكن لو أصغينا أولا إلى جمهورنا، ورأينا أين يمكننا أن نكون أكثر فائدة، لأمكننا مواءمة رسالتنا مع مسارنا الداخلي والمخرجات التي نحتاجها لخدمته بشكل أفضل».
الرقابة البشرية تحت الضغط
رغم اختلاف مقاربات المؤسسات، تبقى المراجعة البشرية للمحتوى المولّد آليا خط الدفاع الأول لدى جل غرف الأخبار. غير أن هذا النهج بدأ يظهر علامات إرهاق، إذ لا تقتصر التحديات على مراجعة المخرجات بجودة كافية، بل تمتد إلى العبء النفسي الذي يقع على الصحفيين أنفسهم. وقد لخّصت مجلة «هارفارد بيزنس ريفيو» هذه الظاهرة مؤخرا بعبارة دالة: «الذكاء الاصطناعي لا يقلّص العمل، بل يكثّفه». وهذا العبء الإضافي يقع بشكل خاص على المحررين الذين هم أصلا مثقلون بالمهام.
تقول أنيكا رورانن، التي شغلت منصب مسؤولة الذكاء الاصطناعي المسؤول في الإذاعة الفنلندية «واي.لي» قبل انتقالها إلى العمل الاستشاري، إنها كانت قلقة من تركّز عبء الحوكمة على مستوى الإدارة الوسطى: «هذا المستوى مثقل أصلا بالمهام اليومية وبالحرص على جودة القصص، وأنا مطالبة أن أطلب منهم تحمّل حوكمة الذكاء الاصطناعي أيضا».
وتشاطرها الرأي سانوتا راغو، رئيسة قسم منتجات الذكاء الاصطناعي في موقع «سكرول» الهندي وزميلة سابقة بمعهد رويترز لدراسة الصحافة: «بسبب هذا العبء، صرنا مضطرين لتدقيق كل شيء بمشط دقيق، بينما كنا سابقا نشعر بارتياح كاف لنشره مباشرة، وهذا ما يسبب الإرهاق». وقد دفع هذا الإرهاق موقع «سكرول» إلى وضع سقف للمحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي الذي يتوجب على الطاقم مراجعته.
واعتبارا من 2 أغسطس 2026، تفرض المادة الخمسون من قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي على الجهات العاملة داخل الاتحاد الإفصاح عن أي نص مولّد بالذكاء الاصطناعي ينشرونه ويتعلق بمسائل ذات مصلحة عامة، باستثناء النصوص التي خضعت لمراجعة بشرية أو رقابة تحريرية يتحمل مسؤوليتها شخص طبيعي أو اعتباري. وقد شاركت المحامية فيرونيكا ماكوروفا كريزوفا، أول مسؤولة عن الذكاء الاصطناعي المسؤول والاستراتيجية في التلفزيون التشيكي، في صياغة المعيار التشغيلي لمدونة الممارسات الأوروبية بشأن شفافية المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، لكنها تبدي تشككا في كيفية تطبيق هذه الاستثناءات عمليا: «من السهل جدا ألا تفتح مقتطفات الاستشهاد، ومن السهل أيضا أن تخطو خطوة أخرى فتنتهي بمادة شبه جاهزة للنشر. لهذا أعتقد أن الإعلام العمومي بات أهم من أي وقت مضى، لأنه ما يزال يمثل الصحافة الموثوقة والعمل المسؤول للمهنيين حتى في عصر الذكاء الاصطناعي».
الاستسلام المعرفي والتملّق الرقمي
إلى جانب ضغط العبء والتعب وموجبات القانون الجديدة، يبدي باحثون قلقهم من تصميم بعض نماذج الذكاء الاصطناعي وأثره في سلوك المستخدمين. تقول مالا كومار، المديرة التنفيذية لمنظمة «هيومين إنتليجنس» غير الربحية المتخصصة في تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي واختبارها بأسلوب «الفريق الأحمر»: «اتخذت شركة أوبن إيه آي قرارا تصميميا يقوم على التصديق على كثير مما يقوله المستخدمون حتى لو كان فكرة سيئة بامتياز، في حين تتبنى نماذج كلود وجيميناي مقاربة أكثر توازنا في صياغة إجاباتها، إذ قد تقول إن هذه ليست فكرة جيدة أو تشرح لماذا قد تكون جيدة أو سيئة، بما يوقظ المستخدم من هذا النمط من «الذهان المرتبط بالذكاء الاصطناعي» الذي ينزلق إليه كثيرون حين يجدون التصديق المستمر على ما يريدون سماعه».
وقد استحدث الباحثان ستيفن شو وجدعون نيف من جامعة بنسلفانيا، في ورقة بحثية صدرت سنة 2026، مفهوم «الاستسلام المعرفي»، ويعرّفانه بأنه «النزوع السلوكي والدافعي إلى تفويض الحكم والجهد والمسؤولية لمخرجات الذكاء الاصطناعي، لا سيما حين تُقدَّم هذه المخرجات بطلاقة وثقة وبأقل قدر من الاحتكاك». وشملت الدراسة، عبر ثلاث تجارب ضمت 1372 مشاركا، أن الأفراد يتبنون مخرجات الذكاء الاصطناعي حتى حين تكون خاطئة عمدا، مع ارتفاع منسوب ثقتهم بها بغض النظر عن صحتها.
وفي حين ما زال هذا البحث في طور التبلور، بدأ بعض قادة غرف الأخبار يلاحظون سلوكيات مشابهة على أرض الواقع. يقول إبراهيم شيخو، المدير التحريري العام ورئيس التحرير في مجموعة «ميديا تراست» النيجيرية: «أشعر أن الذكاء الاصطناعي يقتل الإبداع البشري. كثير من الشباب في غرفة الأخبار لم يعودوا يفكرون كثيرا ولا يبدعون، إذ يريد الجميع استخدام الأداة لإنجاز المهمة بسرعة». ويمتد قلقه إلى ثقة الجمهور: «حين تُروى قصصكم عبر آلات، يبرز خوف من أن نخسر جمهورنا»، وهو ما دفعه إلى البحث عن سبل لتشجيع التفكير الأصيل والحد من الاتكال المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك احتمال اللجوء إلى أدوات كشف المحتوى المولّد آليا.
الذكاء الاصطناعي أداة لكشف الانحياز
في المقابل، لاحظت الكاتبة أن عددا متزايدا من غرف الأخبار بدأ يستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف عن انحيازات في صحافتها هي نفسها. ويرى ديفيد كاسويل، المستشار لدى عدد من قادة الصحافة، أن بعض هذه الانحيازات البشرية قد تكون أصعب تغييرا من نظيراتها في أنظمة الذكاء الاصطناعي، مستحضرا تجربته في بي بي سي خلال استفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي: «فاتنا خروج بريطانيا. كان نصف البلد في غضب شديد من الوضع القائم، ولم نلحظ ذلك في غرفة الأخبار بأكملها، لأننا جميعا نعيش داخل الطوق نفسه».
وفي تجربة مشابهة، وصف مارتن شوري، حين كان لا يزال يعمل في صحيفة «آفتونبلادت» السويدية، تجارب تناولت من يمثّلهم التغطية الصحفية: «إذا نظرت إلى الأرقام، ستلاحظ أن النساء لا يقرأن كثيرا تغطيتنا السياسية. ويمكن أن تستنتج من ذلك أن النساء لا يحببن السياسة، لكنني لا أظن أن هذا هو الجواب الصحيح؛ فالأرجح أن النساء لا تجذبهن الطريقة التي نغطي بها السياسة». وكما أوضح جيمس فليتشر من بي بي سي: «بعض أنواع الانحياز لا يمكن رصدها إلا على نطاق واسع؛ فإذا نظرت إلى نص واحد لا يمكنك أن تعرف إن كان يستخدم ضمائر مذكرة أكثر من المؤنثة في الترجمة، لكن إذا نظرت إلى عشرة آلاف نص يمكنك أن تلاحظ ذلك».
وهو مبدأ سيزداد أهمية مع توسع الأنظمة «الوكيلة» في غرف الأخبار. يقول كاسبر ليندسكو: «شيء أن يكون لديك إنسان في حلقة القرار بشأن حالة توليد معزولة، وشيء آخر أن يكون لديك إنسان في حلقة القرار عبر مجمل المخرجات بحيث يمكنك رصد الأنماط. هذا أمر جيد يستحق الإضافة دوما، لكنه سيصبح ضروريا أكثر فأكثر مع تحسّن الذكاء الاصطناعي التوليدي وتوسّع دوره المحوري في غرفة الأخبار».
ملامح المرحلة المقبلة
لا يمكن لكل الأسئلة الكبرى المتعلقة بالحوكمة أن تُحل داخل كل غرفة أخبار بمعزل عن غيرها؛ فقد بدأت تحالفات تتشكل، وباتت الحكومات والجهات التنظيمية تولي هذا الملف اهتماما متزايدا. ومن الأمثلة على ذلك تحالف «سبور»، الذي يضم أكثر من ثلاثين مؤسسة إعلامية، ويعمل على وضع معايير وبنية تحتية مشتركة من أجل علاقة أكثر إنصافا بين الناشرين ومنصات الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة إلى غرف الأخبار التي ما زالت في بداية مسارها مع الذكاء الاصطناعي، تبقى الحوكمة نقطة انطلاق مرتبطة بالرسالة والقيم والمبادئ التحريرية. وتظل الرقابة البشرية ضمانة مهمة، لكن من المهم بالقدر نفسه إدراك حدودها وتصميم أنظمة لا تعتمد على قدرة الإنسان على رصد كل خطأ. وتسير بعض المؤسسات فعلا في هذا الاتجاه؛ إذ تعمل سانوتا راغو من موقع «سكرول» على تطبيق إطار سمّته «ذرة الخبر»، طوّرته خلال زمالتها في معهد رويترز لدراسة الصحافة، ويقوم على وسم مكونات المادة الصحفية على مستوى الجملة ببيانات وصفية تحفظ مصدرها وسياقها التحريري. وتقول راغو: «إعادة الهيكلة على مستوى البنية التحتية هي بحد ذاتها توجيه للحوكمة، لأنها الطريقة التي تخزّن بها بياناتك وتنظر إليها». وتعمل حاليا الهيئة الدولية للمعايير الصحفية «آي بي تي سي» مع راغو لبحث إمكانية تحويل هذا الإطار، بصيغته الحالية أو بنسخة معدّلة، إلى معيار قياسي للبيانات.
وتسعى مؤسسات أخرى إلى التأثير في ما يتجاوز أنظمتها الخاصة؛ إذ أوضح أولي رايسمان أن هذا هو الدافع وراء توجّه «دير شبيغل» إلى العمل المباشر مع شركات من بينها غوغل بشأن كيفية عرض صحافتها ونسبتها وتمثيلها داخل منتجات الذكاء الاصطناعي، فيما تجرّب مجلة «ذي إيكونومست» بدورها نسخا من صحافتها مصمّمة خصيصا لوكلاء الذكاء الاصطناعي. وهكذا، فإن المؤسسات التي كانت «تصرخ»، على حد وصف رايسمان، تتجاوز اليوم مجرد إطلاق التحذير، إذ تختبر بنى تحتية جديدة وشراكات وأشكالا جديدة من التأثير في الأنظمة التي ستشكّل مستقبل الصحافة. فإذا أريد للحوكمة أن تواكب ذكاء اصطناعيا يزداد استقلالية، فسيتوجب عليها أن تتجاوز السياسات والمبادئ، وأن تصبح جزءا من البنية ذاتها.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/97698438/hawkama-al...