تبحث دراسة للباحث الفرنسي ميشال شودكيفيتش في المفارقة التي تجعل الكعبة موضعاً جغرافياً محدداً تتجه إليه الصلاة ويقصده الحجاج، في حين تؤكد الآية القرآنية أن وجه الله حاضر حيثما توجّه الإنسان. وتنطلق الدراسة من هذا التوتر بين الإطلاق الإلهي والالتزام بطقوس مكانية دقيقة، لتتتبع موقع الكعبة في التصورات الإسلامية وفي التجربة الصوفية، وخصوصاً لدى محيي الدين ابن عربي.
ويشير الباحث إلى أن الإسلام يقرر، في أصله، إمكان العبادة في عموم الأرض، استناداً إلى الحديث الذي يفيد بأن الأرض جُعلت موضعاً للسجود. غير أن هذا المبدأ لا يلغي وجود المساجد ولا الأحكام المتعلقة بطهارة مواضع الصلاة، كما لا يلغي وجوب التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة. وقد تعددت التفسيرات الفقهية للآية التي تقرر حضور الوجه الإلهي في كل اتجاه؛ فربطها بعضهم بالنوافل أو بحالات تعذر تحديد القبلة، فيما رأى آخرون أن لا تعارض بين مبدأ شامل وقواعد شعائرية تنظّم ممارسة العبادة.
وتستعرض الدراسة المكانة التي اكتسبتها الكعبة في الذاكرة الدينية. فإلى جانب أبعادها المعمارية والتاريخية، حضرت في مرويات تجعلها مركزاً أولياً لانتشار الأرض والزمان، وتصفها بأنها مركز العالم أو أم القرى. لكن الكاتب يلفت إلى أن عدداً من العلماء المسلمين المتأخرين نسبياً تعامل بتحفظ مع الروايات غير المؤسسة مباشرة على النص القرآني، بين من آثر الصمت عنها ومن دعا إلى إخضاعها للفحص العقلي أو رفض ما عدّه إضافات خرافية.
الحج وموضع اللامكانوفي السياق القرآني، تتصل الكعبة بإبراهيم وإسماعيل اللذين رفعا قواعد البيت، وبالدعوة إلى الحج التي ارتبطت بهذا البناء. وتعرض الدراسة الحج بوصفه عودة رمزية إلى نظام أصلي، لا باعتباره انتقالاً مكانياً فحسب. فالمؤمن يلتزم قبلة محددة، والحاج يقصد مكاناً بعينه، لكن هذا التحديد لا يعني حصر الإله في بقعة أو بناء. ومن هنا يصف شودكيفيتش الكعبة بأنها موضع اللامكان، أي إنها علامة محسوسة تمنح الإنسان اتجاهاً في عالم لا يحيط به مكان.
وتنتقل الدراسة إلى قراءات صوفية لبعض مناسك الحج. ففي روايات منسوبة إلى شبلي، لا تكتمل قيمة الإحرام والطواف والتلبية والوضوء بمجرد أدائها الظاهر، بل ترتبط بالنية والمعنى الباطني. ولا يقصد هذا المنظور إلغاء الحكم الشرعي، بل التحذير من اختزال العبادة في صورتها الشكلية المنفصلة عن غايتها. وتبرز هنا فكرة أن الممارسة الشعائرية يمكن أن تكون مدخلاً إلى إدراك أعمق للعبودية، لا بديلاً من الالتزام بالشعائر.
ابن عربي في مكة وولادة «الفتوحات»ويحتل ابن عربي موقعاً مركزياً في البحث. فقد وصل إلى مكة سنة 1202، وارتبطت تجربته فيها بولادة مشروعه الكبير «الفتوحات المكية»، رغم أن كتابة العمل امتدت سنوات طويلة وانتهت في دمشق. ويرى الباحث أن وصف الكتاب بالمكي لا يرجع إلى مكان تأليفه فقط، بل إلى ارتباط بنيته المعرفية والروحية بسرّ الكعبة والطواف حولها.
وفي الرواية الافتتاحية للفتوحات، يصف ابن عربي لقاءه بشخصية رمزية قرب الكعبة، هي الفتى الذي يقدم له معرفة تتصل ببناء الكتاب ومضامينه. ويقرأ شودكيفيتش هذه الشخصية بوصفها تجلياً للاسم الإلهي المتكلم، لا مجرد شخصية أدبية أو ملاك. كما يربط بين الطواف السباعي والصفات الإلهية التي تنتظم عليها أقسام الفتوحات، بما يجعل الشعيرة مصدراً لبنية معرفية وروحية في آن واحد.
وتخلص الدراسة إلى أن سر الكعبة عند ابن عربي لا يكمن في الحجر أو البناء منفرداً، ولا في التجربة الباطنية المنفصلة عن الشريعة، بل في التوفيق بين الحقيقة الداخلية والامتثال للعبادة المقررة. فالمعرفة الروحية، مهما بلغت، لا تعفي الإنسان من موقعه بوصفه عبداً ملتزماً بما أمر به، وتظل الكعبة في هذا التصور علامة تجمع بين حضور المعنى الإلهي في كل مكان وضرورة الطاعة في مكان محدد.
وقد نُشرت الدراسة أول مرة بعنوان «مفارقة الكعبة» (Le paradoxe de la Ka'ba) في مجلة تاريخ الأديان سنة 2005، وتتوافر ترجمتها الإنجليزية على موقع جمعية محيي الدين ابن عربي.
اقرأ أيضًا في سُبْحة
دراسة فرنسية تبحث صلة التصوف بالسياسة في ظاهرة الجهادية المصحف المخطوط: من تدوين الوحي إلى رمز للسلطةمن شبكتنا: تعرّف على مواقع شبكة المقالاتي العربية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98274338/michel-chod...