☰

مراكش ليست مكبّر صوت: من يجمع المتلاشيات ويترك الضجيج؟


الثلاثاء 3 نونبر 2026 à 11:49 |



ليس مقبولاً أن تتحول حاجة بعض البيوت إلى التخلص من ثلاجة معطلة أو غسالة قديمة إلى إزعاج يومي لحي بأكمله. وليس طبيعياً أن يصبح مكبّر الصوت جواز مرور إلى غرف النوم، ومكاتب العمل، وبيوت المرضى، من دون استئذان. ما يجري، وفق الشهادة التي ينطلق منها هذا المقال، في أحياء من مراكش، بما فيها أحياء توصف بشبه الراقية، يستحق نقاشاً يتجاوز التذمر العابر: عربات تجمع المتلاشيات، لكنها تترك خلفها نفايات من نوع آخر؛ ضجيجاً لا يستطيع السكان إغلاق نوافذ حياتهم دونه.

المشكلة ليست في جامعي الأغراض المستعملة، ولا في حقهم في كسب الرزق. المشكلة في وسيلة ترويج تفرض نفسها على الجميع، بمن يحتاج الخدمة ومن لا يحتاجها، وتتكرر أحياناً في اليوم نفسه والحي نفسه. إنها مسألة الحق في السكينة، وفي مدينة لا يُطلب من سكانها احتمال الإزعاج باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة.



خدمة مفيدة لا تبرر وسيلة مؤذية

يمكن لجمع الأجهزة المعطلة وقطع الأثاث والأدوات المستعملة أن يحقق منفعة متبادلة: تتخلص الأسر من أشياء لم تعد تحتاجها، ويجد العاملون في هذا النشاط مورداً للعيش وفرصة لاسترجاع ما يمكن إصلاحه أو الاستفادة من مواده. لهذا، ليس المطلوب محاربة المهنة، بل إخراجها من الفوضى.

ثمة فرق واضح بين تقديم خدمة للسكان وفرض إعلانها عليهم. من يحتاج إلى التخلص من جهاز قديم يحتاج إلى وسيلة اتصال بجامعه، لا إلى نداء يلاحقه كل يوم. ومن لا يحتاج الخدمة، لماذا يتحمل كلفتها الصوتية؟

هل تتجدد متلاشيات البيوت المراكشية كل بضع ساعات حتى يستدعي الأمر هذا الإلحاح؟ وهل كل أسرة بصدد تغيير غسالتها أو ثلاجتها يومياً؟ السؤال ساخر، لكنه يكشف خللاً حقيقياً: طريقة الإعلان لا تنطلق من حاجة محددة، بل تراهن على تكرار النداء بأعلى صوت، فيما يدفع الحي كله ثمن الوصول إلى زبون محتمل واحد.

والمعيار هنا ليس تصنيف الحي. الهدوء ليس امتيازاً عقارياً تمنحه الإقامة في منطقة راقية؛ إنه مطلب مشروع في الحي الشعبي كما في غيره.


ليست مجرد مسألة ذوق

لا يبدأ النقاش من فراغ قانوني كامل. فـالمادة 47 من القانون المغربي رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة تتناول الضجيج والاهتزازات الصوتية التي قد تزعج الجوار أو تضر بصحة الإنسان أو بالبيئة، وتشير صراحة إلى استعمال مكبرات الصوت، وتنص على إزالتها أو الحد منها وفق المقتضيات التشريعية والتنظيمية التطبيقية. وهذا أساس واضح لاعتبار الإزعاج الصوتي قضية بيئية، لا مجرد اختلاف في الأمزجة. ولا يعني ذلك، من دون فحص النصوص والقرارات المنطبقة محلياً، الجزم بعقوبة محددة لكل حالة.

المطلوب، إذن، ليس تحويل كل خلاف على الضوضاء إلى معركة، وإنما جعل القاعدة مفهومة وقابلة للتطبيق: ممارسة نشاط اقتصادي لا تمنح صاحبها حق الاستيلاء على المجال السمعي للسكان.

من يتحدث عبر مكبر صوت في شارع سكني لا يشغل الرصيف فقط؛ إنه يدخل بصوته إلى بيوت لم تطلب خدمته. وهذه كلفة ينبغي أن تدخل في حساب تدبير المدينة، لا أن تبقى خارج الاهتمام لأن مصدرها عربة صغيرة ونشاط مألوف.


المونديال: انتقال حضري أم تجميل للواجهات؟

في دجنبر 2024، اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم المغرب وإسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030. لكن القيمة المحلية لهذا الموعد ينبغي ألا تُختزل في المنشآت الرياضية والطرق والواجهات التي تمر أمامها الكاميرات.

الفرصة الأهم هي اختصار زمن التردد في معالجة اختلالات الحياة اليومية: أن تصبح المدينة أيسر عيشاً لسكانها، لا أجمل تصويراً لزوارها فقط.

ما معنى تحديث الشوارع إذا ظلت نوافذ البيوت مفتوحة قسراً على إعلانات صاخبة؟ وما قيمة الحديث عن جودة العيش إذا استُثني منها أبسط عناصرها: القدرة على الراحة، والعمل، والقراءة، وإجراء مكالمة من دون اقتحام صوتي متكرر؟

ولا ينبغي انتظار كأس العالم للاعتراف بهذه الحقوق. سكان مراكش لا يستحقون الهدوء لأن ضيوفاً سيأتون، بل لأنهم يعيشون فيها طوال العام. المطلوب أن يكون الموعد الدولي رافعة لإصلاح دائم، لا مبرراً لحملة ظرفية تختفي بانتهاء المناسبة.


بدائل بسيطة بدل الدوران والصراخ

الحل ليس معقداً، ولا يحتاج بالضرورة إلى تطبيق ذكي وصفقة كبرى. يمكن البدء بتنظيم بسيط، قليل الكلفة، يحفظ مورد رزق العاملين ويوقف تحميل السكان ثمنه الصوتي:

جمع المتلاشيات بالطلب: أرقام هاتف وواتساب يتصل بها السكان عند الحاجة، مع تحديد موعد واضح للمرور. إعلانات ثابتة ومأذون بها: بطاقات لدى حراس العمارات واتحادات الملاك، ولوحات الأحياء والمحلات الموافقة، بدلاً من تعويض التلوث الصوتي بإغراق الجدران والمنشآت بالملصقات. دليل محلي اختياري للعاملين: تتولى الجماعة أو المقاطعات، بتعاون مع المهنيين والجمعيات، إتاحة بيانات اتصال مقدمي الخدمة ومناطق اشتغالهم. مواعيد معلنة حسب الأحياء: أيام أو فترات معروفة للجمع، تسمح للسكان بالاستعداد وتقلل المرور العشوائي المتكرر. تنظيم واضح لاستعمال مكبرات الصوت: اعتماد قواعد محلية معلنة تحد من الإزعاج في المناطق السكنية، مع آلية تظلم ومراقبة قابلة للتنفيذ. انتقال تدريجي منصف: تعريف العاملين بالقواعد الجديدة، ومساعدتهم على الوصول إلى الزبائن بوسائل بديلة، ثم التعامل مع المخالفات المتكررة وفق المقتضيات المعمول بها.

هذه مقترحات للتنظيم، وليست وصفاً لخدمات قائمة بالفعل في مراكش. ميزتها أنها تبدأ من السؤال الصحيح: كيف تصل الخدمة إلى من يحتاجها، من دون أن تتحول إلى عقوبة جماعية؟


لا تحمّلوا العامل وحده مسؤولية الفراغ

من السهل توجيه الغضب كله إلى صاحب العربة. لكن من غير المنصف مطالبة الأفراد وحدهم بابتكار نظام لم تضعه الجهات المعنية. حين تغيب قنوات واضحة للتعريف بالخدمة، ومواعيد الجمع، وضوابط الإعلان، يصبح رفع الصوت بديلاً عن التنظيم.

هذا يفسر الممارسة، لكنه لا يبرر استمرارها. مسؤولية الجماعة والمقاطعات والسلطات المحلية، كل في حدود اختصاصه، أن تحول الاعتراض المتفرق إلى معالجة واضحة: ما القواعد السارية؟ من يراقبها؟ أين يتقدم السكان بشكاياتهم؟ وما البديل الذي يُتاح للعامل حتى لا يصبح التنظيم مرادفاً لقطع رزقه؟

أما مطالبة السكان بالتحمل إلى ما لا نهاية، بذريعة أن «الناس تبحث عن لقمة العيش»، فليست حلاً اجتماعياً. الإنصاف يقتضي حماية مورد رزق العامل وراحة الساكن معاً، لا وضع أحدهما في مواجهة الآخر.

مراكش لا تحتاج إلى إسكات الفقراء، بل إلى إيقاف الإزعاج وتنظيم الخدمة. ولا تحتاج إلى حرب على عربات المتلاشيات، بل إلى تدبير يمنع تحول مكبر الصوت إلى رخصة يومية لاقتحام البيوت.

المدينة التي تستعد لاستقبال العالم مطالبة، أولاً، بأن تُحسن الإصغاء إلى سكانها. وأحياناً يبدأ ذلك بقرار بسيط: خفض مكبرات الصوت.





المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/98557069...


: في نفس القسم