أقرّت محكمة الاستئناف في دولة الفاتيكان فتح محاكمة ثانية للكاردينال أنجيلو بيتشو بعد أن خلصت إلى وجود خلل إجرائي في استخدام وثيقة صادرة عن البابا خلال التحقيقات الأولية، مع إبقاء الحكم السابق الصادر بحقه نافذاً إلى حين انتهاء مسار التقاضي كاملاً. ويُنتظر أن يبدأ هذا المسار القضائي الجديد في الثاني والعشرين من يونيو المقبل، فيما يظل الكاردينال المدان خارج السجن ولا يُتوقع تنفيذ العقوبة قبل استنفاد جميع درجات الطعن المتاحة في المنظومة القضائية الفاتيكانية.
كان الكاردينال أنجيلو بيتشو، الذي شغل سابقاً موقع الرجل الثاني في أمانة سر دولة الفاتيكان، قد أدين في ديسمبر 2023 بالسجن خمس سنوات ونصف وبغرامة قدرها ثمانية آلاف يورو بعد محاكمة واسعة النطاق تناولت سلسلة من العمليات المالية التي قامت بها أجهزة الكرسي الرسولي خلال السنوات الماضية. وبرغم هذه الإدانة، احتفظ بيتشو بلقبه الكاردينالي، غير أنّه جُرّد من وظائفه ومسؤولياته الرسمية منذ سبتمبر 2020 عقب انفجار قضية استثمار خاسر في عقار فاخر بالعاصمة البريطانية لندن.
محكمة الاستئناف أوضحت في قرارها أنّ الإخلال الإجرائي يتمثل في عدم إتاحة جميع وثائق التحقيق للدفاع، وفي مقدمتها نص “الريسكريبتوم”، وهي وثيقة بابوية خوّلت المدعي العام إجراء تحقيق أولي خارج الأطر الشكلية المعتادة للإجراءات الجنائية في الفاتيكان. واعتبرت المحكمة أنّ هذه الوثيقة تحمل طابعاً تشريعياً وبالتالي كان ينبغي نشرها أو إبلاغها على الأقل إلى الأشخاص الذين ستُطبّق في حقهم التدابير المستندة إليها، الأمر الذي دفعها إلى تقرير إعادة المحاكمة مع عدم المساس مؤقتاً بالحكم الأصلي.
محامو أحد المتهمين الآخرين في القضية، وهو المسؤول السابق في أمانة السر فابريتسيو تيراباسي الذي نال العقوبة الأثقل في الحكم الابتدائي، وصفوا قرار محكمة الاستئناف بأنه سابقة مهمّة في التاريخ القضائي للفاتيكان، لكونه يقضي عملياً بعدم نفاذ وثيقة موقعة من البابا بسبب غياب شروط النشر اللازمة. وقدّم فريق الدفاع هذه الخطوة على أنها ترسي قاعدة جديدة في التعامل مع الوثائق البابوية ذات المضمون التنظيمي عندما تُستخدم ضمن مسار جنائي يطال موظفين ومسؤولين في إدارة الكرسي الرسولي.
القضية التي تطوّرت إلى هذا المسار المعقد تتمحور حول استثمار عقاري ضخم في حي تشيلسي اللندني الراقي، حيث اشترى الفاتيكان مبنى تبلغ مساحته سبعة عشر ألف متر مربع مقابل نحو ثلاثمئة وخمسين مليون يورو بين عامي 2014 و2018، من خلال آليات استثمارية أدارتها جهات مالية خاصة. وقد تبيّن لاحقاً أنّ سعر الشراء كان مبالغاً فيه وأنّ العملية ألحقت بخزائن الفاتيكان خسارة تقدَّر بين مئة وأربعين ومئة وتسعين مليون يورو عند بيع المبنى لاحقاً بخسارة كبيرة.
النقاش القضائي تمحور أيضاً حول طريقة استخدام “دينار القديس بطرس”، وهو التبرعات السنوية التي يقدّمها المؤمنون حول العالم دعماً للأعمال الخيرية المرتبطة بالبابا، إذ أظهرت التحقيقات أنّ قسماً من هذه الأموال وُجّه إلى استثمارات اعتبرها القضاء شديدة المغامرة. وفي هذا السياق، أدين بيتشو بتحويل مئتي مليون وخمسمئة ألف دولار من أموال أمانة السر خلال عامي 2013 و2014 إلى صندوق استثماري وصفه القرار القضائي بأنه عالي المضاربة ويقوده رجل الأعمال رافاييله مينيوني، الذي صدر بحقه هو الآخر حكم بالسجن خمس سنوات ونصف وغرامة قدرها ثمانية آلاف يورو.
الملف الذي شمل عشرة متهمين بين مسؤولين ووسطاء ماليين كشف جانباً من تعقيدات الإدارة المالية في دولة الفاتيكان، وطرح أسئلة جديدة حول آليات الرقابة الداخلية ومستوى الشفافية في إدارة الأموال المخصصة للرسالة الروحية والأنشطة الاجتماعية للكنيسة الكاثوليكية. كما أعاد إلى الواجهة الجهود الإصلاحية التي أطلقها البابا السابق فرنسيس منذ توليه السدة البطرسية في مارس 2013 بهدف إعادة تنظيم الهياكل الاقتصادية والإدارية للفاتيكان وتقليص مساحة الغموض التي أحاطت طويلاً باستثماراته المالية.
الانعكاسات الكنسية لم تتوقف عند الحدود القضائية، إذ حُرم الكاردينال بيتشو، نتيجة الحكم الصادر ضده، من المشاركة في المجمع المغلق الذي انتُخب خلاله البابا الحالي ليون الرابع عشر في العام الماضي، وهو ما شكّل سابقة لافتة ضمن الأعراف التي تحكم مشاركة الكرادلة في اختيار رأس الكنيسة الكاثوليكية. وتتابع الأوساط المتخصصة هذه القضية بوصفها اختباراً مزدوجاً لقدرة النظام القضائي في الفاتيكان على التعامل مع ملفات مالية معقدة من جهة، ولنجاعة مسار الإصلاح الإداري والمالي الذي تتبناه القيادة الكنسية من جهة أخرى.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95432630/mhakm-gdyd-...


