في سهرة بأحد رياضات مراكش، يضع عازف العود آلته على ركبته قبل أن تبدأ الأغنية، ويشير إلى الفرقة أن تنتظر. لا نوتة أمامه ولا ورقة. يبدأ بجملة قصيرة من مقام البياتي، ثم يتوقّف، ثم يعود إليها من طريق آخر، كأنه يبحث عن شيء أضاعه للتوّ. وبعد دقائق يرتفع من آخر القاعة صوتٌ: «الله!». يبتسم العازف ابتسامة من فاجأه ما عزف. وبعد الحفل، يسأله أحد الحاضرين كيف خطرت له تلك الجملة الأخيرة، فيهزّ كتفيه: «لا أدري، جاءت وحدها».
إذا كان العازف لا يعرف من أين جاءت الجملة، فمن الذي اختارها؟ هل الارتجال قرارٌ نتّخذه، أم حالةٌ نُفسح لها الطريق؟ وماذا يقول لنا ذلك عن «الذات» التي نظنّ أنها تمسك بزمام أفعالنا، وتعرف ما ستفعله قبل أن تفعله؟
تتوقّف الكاتبة البلغارية الأمريكية ماريا بوبوفا عند هذا اللغز في مقال على مدوّنتها The Marginalian، انطلاقًا من كتاب عازفة الكمان الأمريكية ناتالي هودجز «مقياس غير مألوف» (Uncommon Measure)، وهو رحلة في الموسيقى والأداء وعلم الزمن. تصوغ هودجز المفارقة هكذا: الارتجال عفويّ، لكنه ليس عشوائيًا أبدًا. فإذا كان بوسع العازف أن يعزف أيّ شيء، فما الذي يجعله يختار هذه النغمة دون غيرها، في جزء من الثانية، ودون تفكير؟ وكيف تخرج من «ومضة» لحظية جملةٌ متماسكة كأنها كُتبت وروجعت وحُفظت سلفًا؟
وتلاحظ هودجز أن في الارتجال راحةً غريبة، أشبه بما سمّته الفيلسوفة البريطانية آيريس مردوخ «التخلّي عن الذات» (unselfing)، أي تلك اللحظة التي ينصرف فيها الانتباه عن الأنا وهمومها إلى شيء خارجها، فيخفّ ثقلها.
ثم تأتي التجربة العلمية. فعازفة البيانو الفنزويلية غابرييلا مونتيرو معروفة بقدرتها على ارتجال مقطوعات كاملة بأسلوب كلاسيكي انطلاقًا من لحن قصير يقترحه عليها الجمهور. وقد خضعت لتصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، في دراسة نُشرت في مجلة NeuroImage سنة 2020 شارك فيها الباحث والموسيقي تشارلز ليمب، قارن فيها الفريق نشاط دماغها في ثلاث حالات: عزف سلّم موسيقي متكرّر، وعزف مقطوعة محفوظة، والارتجال. وخلصت الدراسة إلى أن الارتجال عندها نشاط متعدّد الأبعاد يستدعي مناطق سمعية وحركية وبصرية وانفعالية، وتشارك فيه شبكات عدّة، منها شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network)، وهي مجموعة من مناطق الدماغ تنشط حين ننصرف عن العالم الخارجي إلى الداخل: نتذكّر، ونتخيّل المستقبل، ونفكّر في أنفسنا وفي الآخرين. وهي، بعبارة مبسّطة، من أقرب ما يكون إلى «مقرّ» الإحساس بالذات وسيرتها.
وتقرأ هودجز هذه النتائج قراءةً جريئة: أثناء العزف المحفوظ تتحاور مناطق هذه الشبكة فيما بينها كأنها تستعيد برنامجًا معدًّا سلفًا، أما أثناء الارتجال فيضعف هذا التواصل، كأن الذات الموحَّدة تنفكّ مؤقتًا لتفسح المجال لشيء آخر. وهو ما يتّفق مع وصف مونتيرو نفسها لما تفعله: أن «تتنحّى جانبًا» وتترك الموسيقى تتدفّق.
والأغرب أن الارتجال لا يتفكّك. فالجمل التي تلقيها العازفة في البداية تعود لاحقًا وتُبنى عليها، كأنها وُضعت هناك تحسّبًا لما سيأتي. ومن هنا عبارة هودجز اللافتة: كأن المرتجل «يتذكّر المستقبل». وتستعير لتقريب الفكرة تشبيهًا من الفيزياء الكمومية، هو «تكامل المسارات» الذي صاغه الفيزيائي ريتشارد فاينمان في أربعينيات القرن الماضي، حيث يُحسب مسار الجسيم الفعلي من مجموع كل المسارات الممكنة بين نقطتي البداية والنهاية. وكذلك المرتجل، في رأيها: يستشعر كل الطرق الكامنة في لحن واحد، ثم يمضي في أحدها كأنه مقدَّر له. وتستحضر في السياق تأمّلات القدّيس أوغسطين في الكتاب العاشر من «الاعترافات» عن الذاكرة بوصفها قصورًا واسعة لا نعرف كل غرفها؛ فالذاكرة عند المرتجل ليست قيدًا يشدّه إلى الماضي، بل مخزن إمكانات يُفتح في الحاضر.
الاعتراض الأول يأتي من الموسيقيين أنفسهم. ففي كتابه المرجعي «التفكير في الجاز» (Thinking in Jazz، 1994) تتبّع عالم الموسيقى الإثنية الأمريكي بول برلينر كيف يتعلّم عازفو الجاز الارتجال، فوجد أن «العفوية» ثمرة سنوات طويلة من الحفظ والتقليد: جمل وصيغ وانتقالات يمتصّها العازف من أساتذته وتسجيلاتهم حتى تصير لغةً يتكلّمها دون أن يفكّر في قواعدها. والجملة التي «جاءت وحدها» جاءت، في الحقيقة، من مخزون بُني ببطء. بل إن هودجز نفسها تعترف بأن الارتجال ليس عشوائيًا، وهذا اعتراف بأن وراءه نظامًا خفيًا.
والاعتراض الثاني منهجي. فالدراسة تخصّ عازفة واحدة استثنائية، ويحذّر أصحابها صراحةً من تعميم نتائجها على غيرها. ثم إن صور الدماغ تُظهر تغيّرات في النشاط والترابط بين المناطق، أما الحديث عن «تفكّك الذات» فتأويلٌ فلسفي جميل يضاف إلى البيانات، لا نتيجة تخرج منها مباشرة.
والاعتراض الثالث يخصّ تشبيه فاينمان. فالجسيم لا «يستشعر» شيئًا ولا «يختار»؛ وما يصلح صورةً شعرية قد يتحوّل بسهولة إلى خلط شائع بين الفيزياء الكمومية والوعي، وهو خلط يتغذّى عليه كثير من العلوم الزائفة. الأسلم أن نأخذه استعارةً تقرّب الإحساس، لا تفسيرًا لما يحدث في الدماغ.
لا يحتاج القارئ العربي إلى مختبر ليعرف هذه التجربة. ففي الموسيقى العربية تقليد راسخ اسمه التقاسيم: ارتجال آلي حرّ الإيقاع داخل مقام معيّن، كثيرًا ما يسبق الأغنية، ويحكم عليه السامع بقدرة العازف على التجوال في المقام ثم العودة إلى «قراره» دون أن يضيع. وقد خصّص عالم الموسيقى الإثنية اللبناني الأمريكي علي جهاد راسي، في كتابه «صناعة الموسيقى في العالم العربي: ثقافة الطرب وفنّه» (2003)، فصلًا كاملًا لما يسمّيه الموسيقيون السلطنة: تلك الحالة التي يستغرق فيها العازف أو المطرب في المقام حتى يصير الإبداع ممكنًا، ويقول أهل الصنعة إن الارتجال بلا سلطنة يخرج باردًا آليًا مهما بلغت مهارة صاحبه. وهي قريبة جدًا مما تصفه مونتيرو بـ«التنحّي جانبًا».
وفي التراث الصوفي تمييز يضيء الخلاف بين هودجز وبرلينر. فقد شرح أبو القاسم القشيري في «الرسالة» الفرق بين المقام والحال: المقام منزلة يبلغها السالك بسعيه ومجاهدته، والحال معنى يرد على القلب دون تعمّد ولا اكتساب، ولذلك قيل إن المقامات مكاسب والأحوال مواهب. واللافت أن كلمة «مقام» نفسها تسمّي في لغتنا السلّم الموسيقي والمنزلة الروحية معًا. فلعلّ الارتجال «حالٌ» لا يرد إلا على من قطع «المقام»: لا يأتي من العدم كما يذكّرنا برلينر، ولا يُستدعى بالإرادة وحدها كما توحي تجربة مونتيرو، وهو ما يلتقي مع ما ناقشناه في مقال التمرين المتعمَّد و«الملَكة» عند ابن خلدون.
غير أن هذا التراث نفسه لم يكن متّفقًا على شيء. فقد اختلف العلماء والمتصوّفة طويلًا في السماع والوجد: هل يجوز أن يُطلب الحال بالموسيقى، أم أن ذلك تكلّف يفسده؟ وخصّص أبو حامد الغزالي لهذا الجدل «كتاب آداب السماع والوجد» في «إحياء علوم الدين». فليس في الأمر «حكمة جاهزة»، بل سؤال قديم ظلّ مفتوحًا.
ربما لا يهرب المرتجل من ذاته، بل يكتشف ذاتًا أوسع من تلك التي يحكيها عن نفسه: ذاتًا تعرف أكثر مما تعرف أنها تعرف. وفي زمن تتنبّأ فيه الخوارزميات باختيارنا التالي انطلاقًا من اختياراتنا السابقة، يذكّرنا الارتجال بأننا قادرون على مفاجأة أنفسنا، لكن بشرط ألّا نخلط بين المفاجأة والفوضى. ويبقى سؤال لكل واحد منا: متى فاجأت نفسك آخر مرة بكلمة أو قرار لم تخطّط له؟ وهل كان ذلك رغم كل ما تعلّمته، أم بفضله؟
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98544215/mad...