☰

ما الذي تعلّمنا إيّاه الألعاب عن الحياة الحقيقية؟ فيلسوف يجيب


الأربعاء 28 أكتوبر 2026 à 11:47 |



لعبة «غو» التي ما زال الناس يلعبونها اليوم اختُرعت قبل أكثر من ألفين وخمسمئة عام. ومن الشطرنج إلى «مونوبولي» إلى ألعاب الفيديو ذات الرسوم المذهلة، ظلّت الرغبة في اللعب واحدة. فاللعب من أعرق الأنشطة الإنسانية، يصلنا بالآخرين من حولنا، بل وبمن لعبوا على الرقعة نفسها قبل قرون.

لكن هل الألعاب مجرّد هروب من الواقع؟ هذا السؤال طرحته الصحفيتان ميغان غاربر وأندريا فالديز في حلقة من بودكاست «كيف تعرف ما هو حقيقي» على موقع مجلة «ذي أتلانتيك»، بثّت في يونيو 2024، واستضافتا فيها سي. ثي نغوين، أستاذ الفلسفة في جامعة يوتا الأمريكية والمتخصص في فلسفة الألعاب. والخلاصة التي يخرج بها الحوار أن الألعاب قد تكون، على العكس، من أفضل الطرق لفهم الواقع.

عقبات غير ضرورية… نختارها طوعًا

يعدّ نغوين التسلّق لعبةً أنقذته في سنوات دراسته العليا. فالتسلّق يفرض تركيزًا كاملًا على الصخرة والجسد حتى يتلاشى كل ما عداه، ويقدّم تغذية راجعة فورية وصارمة: إذا شرد ذهنك سقطت. وهو في ذلك يشبه وضعيات اليوغا الصعبة التي تكشف لك شرودك فورًا، ويراه نغوين ضربًا من التأمّل.

ولتعريف اللعبة، يستند إلى كتاب غيّر حياته: «الجندب» للفيلسوف برنارد سوتس، الذي يعرّف اللعب بأنه محاولة طوعية لتجاوز عقبات غير ضرورية. والطوعية هنا جوهرية؛ فالعقبات المفروضة علينا ليست لعبًا. ويضرب نغوين مثلًا بالماراثون: لو كان الهدف مجرّد بلوغ خط النهاية لركب العدّاء دراجة أو سيارة أجرة. لكن الوصول بسيارة لا يُحتسب، لأن قيمة اللعبة كامنة في العلاقة بالقيود نفسها. ففي الحياة العادية نتحمّل المشقّة لأننا نريد الغاية، المال أو الوظيفة أو السيارة؛ أما في اللعب فنطلب الغاية من أجل لذّة الكفاح.

الألعاب فنّ «الحكم»

اعتادت نظريات الفن أن تعامل الألعاب كأفلام تفاعلية. أما نغوين فيقترح تصوّرًا آخر: الألعاب «فنّ الحكم». فهي، مثل الحكومات، منظومات من القواعد تشكّل سلوك الناس؛ غير أن هدفها ليس منعهم من الاقتتال، بل منحهم وقتًا ممتعًا وتفاعلات غنية.

ويستشهد بلعبة الطاولة «روت» للمصمّم كول ويرلي: تبدو مخلوقات غابة لطيفة، لكن كل فريق فيها يحمل منطقًا سياسيًا مختلفًا تمامًا. فهناك فصيل صناعي يسعى إلى توسيع شبكة مصانعه وطرقه وأرباحه، وفصيل آخر يسعى إلى تقويض تلك الشبكة. ومع تكرار اللعب يتبادل اللاعبون الأدوار، فيعيشون النزاع نفسه من زوايا سياسية متعدّدة، وهذا في نظره جوهر ما تتيحه الألعاب.

اللعبة تخبرك بما يجب أن ترغب فيه

ينقل نغوين عن المصمّم الألماني راينر كنيتسيا، الذي يُلقَّب بـ«موتسارت» ألعاب الطاولة الألمانية، قوله إن أهم أداة في صندوق المصمّم هي نظام النقاط، لأنه يخبر اللاعبين بما ينبغي أن يرغبوا فيه. عبارة بديهية للاعب، لكنها أدهشت الفيلسوف فيه: فالفلاسفة والاقتصاديون يميلون إلى افتراض أن رغباتنا ثابتة نسبيًا، بينما تُظهر الألعاب أننا قادرون على الانغماس مؤقتًا في رغبة بديلة تمامًا.

ومثاله المفضّل لعبة طاولة يصفها بـ«الشيطانية» اسمها «إمبريال»، تدور في سياق الحرب العالمية الأولى، لا يلعب فيها المشاركون دور الدول، بل دور مستثمرين خفيّين يحرّكون مصائر القوى الكبرى بحثًا عن الربح. ويروي أنه في إحدى المباريات كان قد استثمر بكثافة في إنجلترا، ورأى أن مالك الحصص الألمانية يستعدّ لمهاجمته، فبدل أن يتهيّأ للحرب سمح له بشراء أسهم إنجليزية بثمن زهيد. صار الاثنان شريكين، فزال دافع الهجوم. ويخلص إلى أنها ليست لعبة حرب، بل لعبة في تدبير الحوافز المشتركة، علّمته شيئًا عن التفاوض في عالم الأعمال: كيف نجعل مصالحنا مترابطة ومصائرنا متشابكة، بدل أن نبحث عن ساحة نتقاتل فيها.

ومع ذلك يحرص نغوين على ألّا تُبرَّر الألعاب بفائدتها التعليمية وحدها؛ فلها قيمة في ذاتها، بوصفها لعبًا. لكنها، كما تتيح لنا الروايات أن نعيش حيوات شخصيات أخرى، تتيح لنا أن نجرّب طرقًا عملية مختلفة تمامًا للتعامل مع العالم. ولا يخشى أن يتحوّل لاعب «إمبريال» إلى شخص جشع؛ فلا أحد يظنّ أن مشاهدة مسلسل عن المافيا ستجعله زعيم عصابة. البشر قادرون على تذوّق أنماط أخرى من التفكير دون أن يبتلعهم، والألعاب في رأيه تدرّبنا على هذه المسافة.



«الدائرة السحرية»: مختبر آمن للواقع

تذكّر ميغان غاربر بفكرة المؤرخ الهولندي يوهان هويزينغا، صاحب كتاب «الإنسان اللاعب» (1938): اللعب يصنع فضاءً مؤقتًا منفصلًا عن الحياة العادية، يكاد يكون مقدّسًا، تتحوّل فيه طاولة الورق أو ملعب الكرة أو الشاشة إلى مكان مكرّس يلتقي فيه الناس ليختبروا أسئلة كبرى عن معنى الإنسان وطرق العيش معًا. ومن هذه الفكرة صاغ منظّرو الألعاب لاحقًا عبارة «الدائرة السحرية» لوصف فضاء اللعب: مكان نجرّب فيه الواقع دون أن ندفع ثمن أخطائنا كما ندفعه في الحياة.

غير أن هذا المختبر قد يكشف ما لا نحبّ أن نراه في أنفسنا. فالمصمّمة الأمريكية بريندا روميرو صمّمت عملًا فنيًا في هيئة لعبة طاولة اسمها «القطار»، لا توجد منه إلا نسخة واحدة. يتنافس فيه اللاعبون على بناء شبكة سكك حديدية ونقل الركّاب بكفاءة، ثم يكتشفون في النهاية أن وجهة القطارات معسكر اعتقال نازي. وهكذا كلما أتقن اللاعب قواعد اللعبة، ازداد تواطؤه في جريمة. لا حاجة إلى لعبها لتطرح على النفس سؤالها: كيف كنت سأتصرّف؟ ومتى كنت سأتوقّف عن اللعب؟

وتشير أندريا فالديز إلى أبحاث حديثة تستكشف قدرة الألعاب على تنمية التعاطف، منها دراسة صغيرة جعلت المشاركين يتقمّصون شخصية تتعرّض للتمييز العنصري، فتمكّن بعضهم من وضع أنفسهم في مكانها. وهو مجال بحثي ما زال في بداياته، ولا تكفي دراسة صغيرة لتعميم نتائجه.

وضوح القيم… فضيلة الألعاب وخطرها

يرى نغوين أن البساطة والوضوح أعظم فضائل الألعاب وأكبر أخطارها في آن. ففي الحياة، القيم معقّدة ومتعدّدة ويصعب قياسها: أريد أن أكون مدرّسًا جيدًا وأبًا جيدًا، فكيف أعرف أنني نجحت؟ وكيف أوازن بين هذه القيم؟ ثم تأتي اللعبة فتقول: هذا وحده ما يهمّ الآن، وكل اللاعبين يعرفون بالضبط ما معنى النجاح.

ومن هنا يميّز بين طريقتين في العودة من اللعبة إلى الحياة. الطريقة الجيدة أن نتعامل مع اللعب بوصفه تمرينًا على تبنّي منظومة قيم مبسّطة مؤقتًا، ثم التراجع خطوة والتساؤل: هل كان الأمر يستحق؟ أما الطريقة السيئة فأن نتعلّق بفكرة أن القيم بسيطة وقابلة للقياس، فنخرج من اللعبة لنبحث في الحياة عن منظومات قيم جاهزة ومحسوبة بالأرقام، ونتمسّك بها دون تمييز.

ويستعيد نغوين فكرة الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت مل عن «تجارب العيش»: لا يمكننا أن نعرف ونحن جالسون إلى مكاتبنا أيّ تصوّرات الخير أصلح للحياة؛ هل نعيش للجماعة؟ للإبداع؟ للتعاون الفني؟ لا بدّ من التجربة. وما الألعاب، في نظره، إلا تجارب صغيرة نقضي فيها وقتًا مع آخرين وفق تصوّر بديل للخير، يحدّده نظام النقاط.

وحين يُسأل كيف يقنع من يستخفّ بالألعاب بأهميتها، يجيب بأنه لا يريد أن يقول إنها جادّة، بل إنها ثمينة. فمن يفهم الألعاب يدرك أن أهدافها مصطنعة، وأن الجوهر هو متعة الفعل ذاته. بل إنها تكشف لنا، في رأيه، أن ما هو غير حقيقي هو تلك القيم التي يفرضها علينا العالم، وأن الحقيقي هو لذّة أن نفعل وأن نكون لمجرّد الفعل والكينونة.

حياة تحوّلت إلى لعبة

في ختام الحلقة، تنبّه المحاورتان إلى الوجه الآخر للمسألة: مجتمعنا نفسه صار «ملعّبًا»، تحكمه النقاط والتقييمات وعلامات الإعجاب، ويحوّل كل تجربة إلى منافسة وهوس بالفوز. ولا بأس بإدخال شيء من متعة اللعب إلى العمل، لكن حين تصبح الحياة لعبة بشكل افتراضي، يحسن أن نتذكّر من صمّم هذه اللعبة، وهل قواعدها هي القواعد التي نريد أن نعيش بها.

وفي المقابل، تذكّر غاربر بأن الألعاب الجيدة تعلّمنا عكس ثقافة الإشباع الفوري التي تشدّنا إلى اللحظة: فهي تجبرنا على التفكير في الخطوة التالية وما بعدها، وتساعدنا على شيء بسيط وصعب في آن: أن ننظر إلى المستقبل نظرة أشمل. ولعلّ أثمن ما تمنحه الألعاب هو هذا الوعي: أن الألعاب ليست مجرّد قواعد، بل خيارات، وأنها لا تساعدنا على فهم العالم كما هو فحسب، بل على تخيّل ما يمكن أن يكونه.

اقرأ أيضًا في شبكتنا لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟ على منصة فِكرة. عندما تضع وجه الهاتف على الطاولة: مقاومة صامتة في زمن الإشعارات على منصة فِكرة. اكتشف منصّات شبكة المقالاتي العربية.



المصدر : https://sakina.articlophile.net/blog/i/98511941/ma...


: في نفس القسم