تمثّل ليلة القدر في الوعي الإسلامي لحظة تأسيسية، إذ ترتبط ببدء نزول الوحي القرآني على النبي محمد بواسطة المَلَك جبريل، وتحوّل هذا الحدث من واقعة تاريخية إلى موعد شعائري يتكرر كل عام في العشر الأواخر من شهر رمضان. تشير المصادر الإسلامية الكلاسيكية والمعاصرة إلى أن هذه الليلة وقعت في إحدى الليالي الأخيرة من رمضان في بدايات الدعوة بمكة، وأنها ارتبطت باللحظة الأولى التي تلقى فيها النبي الأمر الإلهي بالقراءة، فغدت في المخيال الديني لحظة انتقال من الصمت إلى الخطاب، ومن الغيب إلى الرسالة الموجّهة إلى البشر.
تختلف دلالة الاسم بين من يربطه بالقدَر بمعنى القضاء والتقدير السنوي للأرزاق والآجال، ومن يربطه بالقوة والمكانة الرفيعة لهذه الليلة في سلم الزمن الديني، ومن يقرأه في ضوء معنى “الضيق” أو “الازدحام” في إشارة إلى امتلاء العالم بالملائكة كما تذكر بعض التفاسير. في هذا الإطار تُصوَّر ليلة القدر كليلة يشتد فيها الحضور الملائكي، حيث تنقل الملائكة عبادة المؤمنين ودعاءهم، ويُنظر إليها بوصفها زمناً نوعياً تتكثف فيه الرحمة وتتغيّر فيه علاقة الإنسان بمصيره الرمزي من خلال الدعاء والتوبة والعودة إلى الذات.
من الناحية الزمنية، لا تُحَدَّد ليلة القدر بيقين في التقويم القمري نفسه، بل تُترك – وفق عدد من الروايات – ضمن دائرة “التمسّي” في الليالي الوترية من العشر الأواخر من رمضان، مع انتشار تقليد قوي لدى المسلمين السُّنة بترجيح الليلة السابعة والعشرين، مقابل تفضيل بعض المدارس الشيعية لليلة الثالثة والعشرين. هذا الغموض المقصود في ضبط التاريخ يشجع على امتداد الممارسة التعبدية على أكثر من ليلة، فيتحول جزء من نهاية رمضان إلى فضاء روحي مكثف يطلب فيه المؤمن “ملاقاة” هذه الليلة بدل الاكتفاء بتأشيرها في التقويم.
يبرز في الحديث النبوي المنسوب إلى النبي تصور لليلة القدر كفرصة استثنائية لمحو الماضي الروحي، إذ يرتبط القيام فيها إيماناً واحتساباً بوعد بمغفرة ما تقدّم من الذنوب، كما تُقدَّم في عدد من الشروح بوصفها زمناً يُكتب فيه ما يخص العام القادم من أرزاق وأقدار في صحف الملائكة، في حين يبقى “اللوح المحفوظ” خارج التغيير بحسب التصور العقدي التقليدي. يتحول هذا الفهم إلى حافز اجتماعي وديني يدفع الأفراد إلى إعادة التفاوض مع ذواتهم ومع مسار حياتهم في ضوء فكرة أن الدعاء في هذه الليلة يمكن أن يؤثر في مجرى القدر الموكول للعام المقبل.
يتسع البعد الروحي لليلة القدر ليشمل علاقة خاصة بالقرآن ذاته، حيث تُصوَّر بعض الشروح التقليدية أن القرآن أُنزل دفعة واحدة من “السماء العليا” إلى مستوى أقرب إلى العالم، ثم بدأ نزوله المتدرج على النبي خلال ثلاثة وعشرين عاماً، في حين تركز قراءات أخرى على أن البداية الفعلية للوحي في هذه الليلة هي التي منحتها هذا الوزن. في كلتا الحالتين تصبح ليلة القدر نقطة التقاء بين الزمن القرآني والزمن الإنساني، وتتحول القراءة، والتلاوة، والقيام، والدعاء إلى ممارسات تعيد استحضار لحظة التلقي الأولى للوحي في حاضر متجدد كل عام.
في الواقع المعاصر، تُجسِّد ليلة القدر مثالاً واضحاً على الكيفية التي يعمل بها التقويم الديني الإسلامي: تاريخ قمري متحرك، قابل للاختلاف بين بلد وآخر تبعاً لرؤية الهلال واجتهادات دور الإفتاء، وفي الوقت نفسه حدث رمزي ثابت في ذاكرة الجماعة؛ فالليلة قد تُصادَف في تقويم بلد ما يوم السادس عشر من شهر ميلادي معين، بينما تقع في تاريخ مختلف في بلد آخر، لكنها تحافظ في المخيال العام على معناها الواحد بوصفها “أقدس ليلة في السنة” كما تصفها كثير من المصادر المعاصرة. هذا التفاوت بين التاريخ الفلكي الثابت (الميلادي) والتاريخ القمري المتحرك (الهجري) يبرز كيف يصبح الحدث الروحي عابراً للتقاويم، يميل إلى تثبيت رمزيته أكثر من تثبيت يومه العددي، وهو ما يفسر الإشارة المتكررة إلى قابلية موعدها للتغيّر يوماً أو يومين وفقاً لاختلاف رؤية الهلال.
المصدر : https://www.soubha.com/calendrier-religions/i/9534...