تجلس سلمى، المصمّمة المستقلّة في الدار البيضاء، أمام زبون يطلب «تعديلًا صغيرًا أخيرًا» للمرة الرابعة. لم يتّفقا يومًا على عدد التعديلات، ولم تجرؤ هي على ذكر أجر إضافي؛ فالرجل مهذّب، والعلاقة طيبة، وهي لا تحبّ أن تبدو «مادّية». في المساء تحسب ساعات العمل، فتكتشف أن أجرها الفعلي تقلّص إلى النصف. لم يكن الزبون محتالًا، ولم تكن هي ساذجة. كل ما في الأمر أن أحدهما ترك الباب مواربًا، والآخر دفعه بلطف، مرة بعد مرة، دون أن يرفع صوته ولو مرة واحدة.
هل اللطف في ذاته هو ما يجعلنا عرضة للاستغلال، أم أن المشكلة في الطريقة التي ندير بها لطفنا؟ وبعبارة أدق: هل يمكن أن نبقى كرماء في المعاملة دون أن يتحوّل كرمنا إلى مورد مفتوح يغرف منه الآخرون بلا حساب؟
يقترح الكاتب الأمريكي إريك باركر، في مقال حديث على مدوّنته Barking Up the Wrong Tree، أن نبحث عن الجواب في مكان غير متوقَّع: نظرية الألعاب. وهي فرع من الاقتصاد والرياضيات يدرس القرارات التي تتوقّف نتيجتها على قرارات الآخرين. ويستند باركر تحديدًا إلى الاقتصادي توماس شيلينغ، الذي تقاسم جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 2005، وطبّق هذه الأدوات خلال الحرب الباردة على سؤال الردع النووي: كيف يتفاوض خصمان دون أن يدمّرا العالم؟
في كتابه «استراتيجية الصراع» (1960) صاغ شيلينغ مفارقة لافتة: قدرتك على تقييد خصمك قد تتوقّف على قدرتك على تقييد نفسك. تخيّل سائقين يندفعان نحو بعضهما في لعبة «الجبان»؛ إذا انتزع أحدهما المقود ورماه من النافذة، صار عاجزًا عن الانحراف، فيصبح الانحراف مسؤولية الآخر وحده. ما يبدو ضعفًا، أي فقدان حرية الاختيار، يتحوّل إلى قوة تفاوضية. ونعرف هذه الحيلة من حياتنا اليومية: البائع الذي يعود من «مكتب المدير» بوجه آسف لأن «يديه مقيّدتان»، أو الموظف الذي يقول إن «النظام لا يسمح». من لا يملك صلاحية التنازل يصعب الضغط عليه.
من هذه المفارقة يستخلص باركر خمس أدوات أخرى في متناول أيّ شخص لطيف لا يريد أن يتحوّل إلى شخص قاسٍ:
المبدأ قبل الرقم: يسمّي شيلينغ «النقطة المحورية» ذلك الحلّ الذي يلتقي عنده الطرفان لأنه يبدو طبيعيًا، مثل المناصفة أو «السعر المعتاد في السوق». الاتفاق على المبدأ أولًا يحوّل المساومة من شدّ وجذب لا ينتهي إلى نقاش في المعايير. حدود ثنائية لا رمادية: عبارة «أحاول ألّا أعمل في نهاية الأسبوع» تدعو الآخر إلى طلب الاستثناء، أما «لا أعمل يوم الأحد» فلا تترك ثغرة. ومثلها: «يشمل العرض جولتين من التعديلات، وما زاد عليهما بأجر». اجعل ما تريده هو الخيار الافتراضي: ما يحدث «إذا لم يفعل أحد شيئًا» يحدث كثيرًا. وقد بيّنت دراسات عن التبرّع بالأعضاء أن صياغة الخيار الافتراضي وحدها تغيّر نسب الموافقة تغييرًا كبيرًا. «نلتقي الثلاثاء في السابعة، أخبرني إن لم يناسبك» تجعل الصمت يعمل لصالحك. الثقة بالتقسيط: بدل المجازفة بكل شيء دفعة واحدة، قسّم التبادل إلى مراحل صغيرة يرى فيها كل طرف وفاء الآخر قبل أن يتقدّم. عواقب صغيرة لكنها مؤكَّدة: أغلب الطيّبين يعرفون وضعين فقط: «لا بأس إطلاقًا» أو الانفجار. والبديل عاقبة متواضعة يُعلَن عنها مسبقًا وتُطبَّق دائمًا، مثل: «يتوقّف العمل إذا تأخّرت الفاتورة، ويستأنَف فور تسديدها».يمكن أن يعترض قارئ متشكّك: أليس «المدير في المكتب الخلفي» كذبة مهذّبة أحيانًا؟ وهل نريد فعلًا أن نحوّل علاقاتنا بالزبائن والجيران والأقارب إلى رقعة شطرنج نحسب فيها كل نقلة؟ هنا يحضر اعتراض أخلاقي قديم صاغه كانط في قاعدته الشهيرة: أن نعامل الإنسان دائمًا غاية في ذاته، لا مجرّد وسيلة. فالاستراتيجية التي تقوم على الإيهام، ولو كانت دفاعية، قد تحمي مصلحتنا وتُفسد في الطريق شيئًا من الثقة التي نزعم الدفاع عنها.
لكن الاعتراض لا يُسقط الفكرة كلها. فأغلب الأدوات السابقة لا تقوم على الخداع بل على الوضوح: حدّ معلن، مبدأ متّفق عليه، عاقبة معروفة سلفًا. بل إن خبير التفاوض الأمريكي ويليام يوري يضيف قيدًا أخلاقيًا على المنتصر نفسه، فيدعو إلى بناء «جسر ذهبي» للطرف الآخر، أي تسهيل تراجعه بكرامة بدل إذلاله، لأن من يُهان في لحظة التنازل قد يفضّل مواصلة الصراع. الحزم هنا لا يعني الرغبة في الغلبة، بل رفض أن يكون اللطف طريقًا باتجاه واحد.
في مجتمعاتنا يتغذّى هذا المأزق من قيمة اجتماعية عميقة: «الحشمة» بلغة المغاربة، أي ذلك الحرج من المطالبة بالحقّ خشية أن نبدو جشعين أو قليلي الذوق. نرى ذلك في الموظف الذي لا يطلب زيادة، وفي القريب الذي يُقرض ولا يجرؤ على الاسترداد، وفي المستقل الذي يعمل «بلا فاتورة» لأن الزبون «من المعارف». وقد يبدو اللطف هنا فضيلة خالصة، غير أن التراث نفسه ناقش هذا الالتباس بدقّة.
فشرّاح حديث «الحياء لا يأتي إلا بخير» توقّفوا عند سؤال بعينه: ماذا عن الحياء الذي يمنع صاحبه من قول الحق أو المطالبة به؟ ونقل النووي في شرحه على صحيح مسلم عن القاضي عياض أن الحياء الذي يؤدّي إلى الإخلال بالحقوق ليس حياءً مشروعًا، بل هو عجز ومهانة، وإنما سُمّي حياءً لشبهه به في الانقباض (انظر شرحًا مفصّلًا للحديث على شبكة الألوكة). وفي الأفق الأخلاقي الأوسع، بنى مسكويه في «تهذيب الأخلاق» نظريته في الفضيلة على أنها وسط بين طرفين مذمومين. وإذا قرأنا الطيّب الذي لا يعرف إلا «التسامح المطلق» أو «الانفجار» على ضوء هذه الفكرة، بدا أنه يتنقّل بين رذيلتين، وأن العاقبة الصغيرة المؤكّدة أقرب إلى الوسط منها إلى القسوة.
ربما لا يُقاس اللطف بكمّ ما نتنازل عنه، بل بوضوح ما نقدّمه وصدقه. يختم باركر مقاله بفكرة بسيطة: يمكنك أن تبقى لطيفًا وتريد أن يشعر الجميع بالاحترام، بشرط أن تُدخل نفسك في كلمة «الجميع». ويبقى السؤال الذي لا تحسمه نظرية الألعاب ولا كتب التفاوض: هل نتنازل لأننا نحترم الآخرين حقًا، أم لأننا نخاف لحظة الرفض ونسمّي خوفنا أدبًا؟
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98328141/lim...