مقالات غير مكتملة، ومواعيد تسليم تقترب، ورسائل بريد تتكاثر، وفي الخلفية إحساس دائم بأن هناك ما يجب فعله: رياضة مؤجلة، ومكالمة للوالدين، وخطة عمل للأسبوع المقبل. بهذا المشهد يفتتح المستشار داني كيني مقاله في موقع «بيغ ثينك»، ليخلص إلى أن الشعور بالتشتت لم يكن نابعاً من ضعف الإرادة أو سوء إدارة الوقت، بل من الطريقة التي نوجّه بها انتباهنا. فالناجحون، في نظره، لا يولدون بقدرة أفضل على التركيز، بل يعرفون أن الانتباه يمكن توجيهه عن قصد، كما نوجّه عضلاتنا في قاعة الرياضة.
تحاصرنا إشعارات منصات التواصل ورسائل العمل وتيار المعلومات الذي لا ينقطع، فنعيش ما وصفته الباحثة ليندا ستون بـ«الانتباه الجزئي المستمر»: متصلون طوال الوقت، لكننا لا نركّز كلياً على شيء. ويرى الكاتب أن هذا التشتت لا يقتصر على الإزعاج، بل يقوّض أهم أهدافنا، لأن كل مهمة تبدو أثقل مما هي عليه ما دام جزء من الذهن مشغولاً بخمس أولويات أخرى تدّعي كلها الاستعجال. والنتيجة يوم عمل من ثماني ساعات ينتهي بالإرهاق من دون تقدّم حقيقي فيما يهمّ. ويستند المقال في معالجة ذلك إلى أعمال إميلي بالسيتيس، عالمة النفس الاجتماعي في جامعة نيويورك، المتخصصة في الإدراك البصري وتحقيق الأهداف.
تشبّه بالسيتيس العين بمصباح يدوي: الحزمة المركزية تُظهر الألوان والتفاصيل بوضوح، بينما لا تلتقط الهالة المحيطة سوى الحركة. ويمكن اختبار ذلك بسهولة: إذا قرّب أحدهم بطاقة من طرف مجال الرؤية نحو مركزه، فلن يُعرف لونها إلا في وقت متأخر. لكن رؤية الشيء بوضوح لا تعني الانتباه إليه؛ فكثيراً ما تمرّ أعيننا على صفحات كتاب بينما يسرح الذهن بعيداً. والأمر نفسه يحدث مع الأهداف: نخدع أنفسنا بأن تخصيص الوقت لمهمة يعني التركيز عليها، في حين يظل جزء أساسي من انتباهنا مبعثراً. ومن هنا يقترح المقال النظر إلى الانتباه لا كعضلة واحدة، بل كمنظومة من «العضلات» المتخصصة يمكن تدريب كل منها على حدة.
توصلت بالسيتيس في أبحاثها إلى أن تضييق الانتباه البصري، أي التحديق في هدف محدد بدل استيعاب المحيط كله، يجعل الناس يرون الهدف أقرب مما هو عليه فعلاً، وأن ذلك يغيّر السلوك لا الإدراك وحده. ففي دراسة حول أثر التركيز البصري على الأداء البدني، تبيّن أن العدّائين والمشّائين الذين يثبّتون أنظارهم على نقطة واحدة أمامهم يبذلون جهداً أكبر ويقطعون مسافة أطول. والتطبيق العملي بسيط: اختيار هدف بصري مرتبط بالغاية، كنقطة ثابتة أثناء الجري، أو لوحة تتابع تقدّم المشروع موضوعة في مجال الرؤية في مكان العمل.
نجد صعوبة في الربط بين ذواتنا الحاضرة وذواتنا المستقبلية، فتبدو تضحيات اليوم غير مجدية مقابل مكاسب الغد. وفي تجربة للباحث هال هيرشفيلد من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، عُرضت على المشاركين صور معدّلة رقمياً تُظهرهم بعد ثلاثين أو أربعين عاماً، ثم سُئلوا عن المبلغ الذي سيدّخرونه للتقاعد لو حصلوا فجأة على ألف دولار. فكان الذين رأوا صورهم المسنّة يدّخرون ضعف ما يدّخره غيرهم تقريباً. والدرس، بحسب المقال، أن نتخيّل بتفاصيل ملموسة يوماً عادياً من حياتنا بعد تحقيق الهدف: كيف نقضي صباحه، وما الذي نشعر به، وأي مشكلات اختفت.
على عكس النصيحة الشائعة بتخيّل النجاح، تُظهر أبحاث عالمة النفس غابرييل أوتينغن، من جامعة نيويورك أيضاً، أن الاكتفاء بالتخيّل الإيجابي قد يُضعف الدافعية. فقد قاست ضغط الدم الانقباضي لدى المشاركين، بوصفه مؤشراً على الاستعداد للفعل، فوجدته أدنى لدى من اكتفوا بتخيّل النتائج السعيدة مقارنة بمن تخيّلوا النجاح ثم فكّروا في العقبات المحتملة وخطط مواجهتها. وتسمّي بالسيتيس ذلك «الرضا بالنيابة»، إذ يشعر المرء كأنه حقق هدفه فيتراخى. والبديل تمرين من ثلاث مراحل: تخيّل النتيجة بوضوح، وتحديد أبرز العقبات، ثم وضع خطط محددة من نوع «إذا حدث كذا، فسأفعل كذا».
كما يمارس العدّاء اليوغا لتحسين جريه، يرى المقال أن تدريب الذهن على أنشطة لا علاقة لها بالأهداف الرئيسية يسهّل التنقل بين أنماط التركيز المختلفة. ويستشهد بعادة جورجيو بيكولي، الرئيس التنفيذي لشركة «أمريكان فلات»، الذي يدوّن كل يوم قائمة من عشر ملاحظات أو أفكار، كأن يقترح عشر طرق يستثمر بها مطعم اسمه «روزماري» اسمه في قائمة طعامه. وحين سألته بالسيتيس إن كانت هذه الأفكار تتحول إلى مشاريع مربحة، أجاب بأن ذلك نادراً ما يحدث، لكنها طريقته في التمرّن على التفكير الإبداعي وحل المشكلات. ويمكن أن يحلّ محلها الرسم أو الكلمات المتقاطعة أو أي نشاط يتطلب تركيزاً متواصلاً.
يخلص الكاتب إلى أن الفارق بين من يحققون أهدافهم ومن يراوحون مكانهم لا يكمن دائماً في الموهبة أو الحظ، بل في القدرة على توجيه الانتباه عن قصد في زمن الشاشات. فكثير من الأشخاص القادرين على حل مشكلات معقدة في عملهم يعجزون عن تركيز انتباههم على ما يهمّهم أكثر. غير أن النظر إلى الانتباه بوصفه منظومة قابلة للتدريب، لا سمة ثابتة، يغيّر السؤال: لم يعد المهم أن تكون لدينا أهداف تستحق السعي، بل أن نكون مستعدين لتمرين المهارات التي تجعل بلوغها ممكناً. ويبقى ما يعرضه المقال خلاصة صحفية لأبحاث متفرقة، لا برنامجاً علمياً مجرّباً بحد ذاته.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
فن التركيز المفقود في عصر الشاشات المهيمنة دليل إتقان الوقت والتركيز: 6 استراتيجيات مثبتة لتحقيق أقصى إنتاجية بمجهود أقلالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98448981/w...