لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟


الأربعاء 16 شتنبر 2026 à 16:35 |



في اجتماع العمل، يُطرح سؤال صعب، وتلمح أن كل الأعين تنتظر منك جوابًا حاسمًا فورًا. تشعر برغبة ملحّة في أن تقول شيئًا -أي شيء- يبدو واثقًا، بدل أن تعترف بأنك لا تعرف بعد. في البيت، يسألك أحد أبنائك سؤالًا عن الكون أو الموت، فتتلعثم قليلاً قبل أن تختلق إجابة مطمئنة، خوفًا من أن يهتزّ يقينه بك. وفي هاتفك، بمجرد أن يخطر ببالك سؤال، تكتبه في محرك بحث لتحصل على جواب في ثوانٍ، قبل أن تمنح نفسك فرصة لتجلس مع الحيرة قليلاً.



السؤال

لماذا نخاف من قول "لا أدري"، حتى حين يكون هذا الاعتراف هو الخطوة الصادقة الوحيدة نحو فهم أعمق؟ ولماذا تحوّلت اليقين إلى ما يشبه فضيلة اجتماعية، بينما تُقرأ الحيرة كضعف يجب إخفاؤه؟


الفكرة

في خطاب تسلّمها جائزة نوبل عام ١٩٩٦، قالت الشاعرة البولندية فيسوافا شيمبورسكا إن أيًّا كان الإلهام، فإنه يولد من قول متكرر: "لا أدري". هذه الجملة تختصر مفارقة نغفل عنها غالبًا: أن الفهم الحقيقي لا يبدأ من إجابة جاهزة، بل من مساحة فارغة نسمح لأنفسنا بالبقاء فيها قليلاً قبل أن نملأها.

تقدّم الثقافة اليابانية مفهومًا دقيقًا لهذه المساحة، هو "ما" (間، يُنطق Ma)، ويجمع الرمز المكتوب للكلمة بين علامتي "البوّابة" و"الشمس"، في إشارة إلى الضوء المتسرّب عبر عتبة مفتوحة. لا يعني "ما" الفراغ بوصفه غيابًا أو نقصًا، بل بوصفه فسحة خصبة تتيح لشيء جديد أن يتشكّل: سكون بين نغمتين موسيقيتين، مساحة بيضاء في لوحة، صمت يتخلل حوارًا، أو -كما تشرح الكاتبة آن تاشي سلاتر في كتابها "السفر في البردو"- فترة انتقالية لا نعرف بعد إلى أين تقودنا. يصف المعماري الياباني كِنغو كوما هذا الفراغ بأنه المكان الذي نشعر فيه بتغيّر الضوء وتغيّر الوقت، أي أننا لا نُدركه بالتفكير المجرّد، بل بأجسادنا وحضورنا فيه. ويذهب الكاتب جونيتشيرو تانيزاكي في مقالته الشهيرة "مديح الظل" إلى أن الجمال نفسه كثيرًا ما ينبع من هذا الغموض الخفيف، لا من الوضوح التام.


الصوت الثاني

لكن الاحتفاء بالفراغ وعدم اليقين ليس بلا مخاطر. فبعض النقاد يرون أن تحويل "لا أدري" إلى موقف جمالي أنيق قد يتحول بدوره إلى هروب من المسؤولية: أمام الظلم الواضح، أو في غرفة العمليات، أو عند اتخاذ قرار يمسّ حياة الآخرين، لا مجال لتذوّق الحيرة؛ فالوقت هناك يفرض حسمًا لا تأمّلًا. بهذا المعنى، فإن "ما" قد يكون فضيلة في لحظة التفكير والفهم، لكنه ليس بديلاً عن الحسم عند الفعل -وهذا حدّ يصعب أحيانًا تحديد موضعه بدقة.


السياق العربي

يعرف التراث الصوفي الإسلامي مفهومًا قريبًا من هذا المعنى، هو "الحيرة"، التي اعتبرها صوفية كبار، وعلى رأسهم ابن عربي، مقامًا روحيًا رفيعًا لا ضعفًا، بوصفها حركة دائمة نحو معرفة لا تكتمل أبدًا، لا سكونًا عاجزًا عن الفهم. غير أن هذا الطرح لم يكن إجماعًا؛ فقد اعترض عليه فقهاء وصوفية آخرون، ورأوا في تمجيد الحيرة بابًا خطرًا نحو التسيّب العقدي أو تعطيل الأحكام الواضحة. أما في الحياة اليومية العربية المعاصرة، فيبدو المشهد مختلفًا تمامًا: منصات التواصل الاجتماعي تطالب بفتوى فورية وموقف حاسم ورأي جاهز في كل حدث بمجرد وقوعه، حتى بات "لا أدري" شبه غائب من النقاش العام، مستبدلًا بثقة صاخبة قد لا تخفي وراءها سوى الاستعجال.


ما الذي يبقى؟

ربما لا تكمن المسألة في اختيار اليقين أو الحيرة نهائيًا، بل في السؤال عن المدة التي نستطيع أن نمكث فيها داخل ذلك الفراغ قبل أن نملأه بإجابة قد تكون سابقة لأوانها. وربما يكون "لا أدري" نفسه نوعًا من الصدق الذي لا نملك دائمًا الشجاعة الكافية لقوله بصوت عالٍ، لا أمام الآخرين فقط، بل أمام أنفسنا أولًا. فهل الفراغ الذي نخافه فعلاً هو غياب الجواب، أم هو ما قد يكشفه ذلك الغياب عنّا؟


للقراءة

النص الأصلي الذي استند إليه هذا المقال، ومصدران يمكن العودة إليهما للتوسّع في الفكرة:

How to Break Free from the Tyranny of Certainty: The Japanese Concept of Ma - The Marginalian (النص الأصلي، بقلم ماريا بوبوفا) آن تاشي سلاتر، "السفر في البردو: فن العيش في عالم زائل" (Traveling in Bardo) - المصدر الذي استقت منه بوبوفا شرح مفهوم "ما" خطاب فيسوافا شيمبورسكا عند تسلّمها جائزة نوبل للآداب (١٩٩٦)

اقرأ أيضًا في فِكرة

يلتقي هذا السؤال مع مقالين سابقين في فِكرة. الأول يسأل لماذا نخاف من البقاء وحدنا؟، فكلا الموضوعين يدوران حول خوفنا من الفراغ حين لا يملؤه شيء واضح. والثاني يسأل لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟، إذ إن ثقافة الإجابة الفورية التي يفرضها التمرير الرقمي هي أحد أوجه هذا الخوف من "لا أدري" الذي يناقشه هذا المقال.




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98042965/lim...


: في نفس القسم