لماذا نخاف من البقاء وحدنا؟


الثلاثاء 15 شتنبر 2026 à 11:31 |



تنتهي وجبة العشاء، ويُطفأ التلفاز، ويبقى الهاتف على الطاولة بلا صوت. للحظة، يخيّم صمت كامل على الشقة: لا إشعار، لا مكالمة، لا خبر عاجل ينتظر التمرير. تمتد اليد نحو الهاتف بشكل تلقائي، دون سبب واضح، وكأن الإصبع وحده يخشى الفراغ. كثيرون يعرفون هذه اللحظة جيدًا: عشرون دقيقة بلا شاشة تكفي لتوليد توتر خفي، وسؤال يطلّ من الداخل بلا استئذان: ما الذي أخافه بالضبط في هذا الصمت؟



السؤال

لماذا يصعب علينا أحيانًا البقاء بمفردنا، حتى مع توفر كل أسباب الراحة والأمان؟ ولماذا تتحول لحظة الانفراد بالنفس، التي يُفترض أن تكون استراحة، إلى تجربة نهرب منها بأقرب مصدر إلهاء؟


الفكرة

اقترح الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال في كتابه "خواطر" ملاحظة ما زالت صالحة بعد أربعة قرون: أن جزءًا كبيرًا من شقاء الإنسان يعود إلى عجزه عن الجلوس بهدوء في غرفة وحده. لم يكن يقصد أن الغرفة عدو، بل أن الهدوء يُسقط عنا الأعذار والانشغالات التي تحجب عنا مواجهة أنفسنا. وما كان صحيحًا في القرن السابع عشر يبدو أكثر إلحاحًا اليوم، في زمن يمنحنا فيه الهاتف مصدر إلهاء لا ينضب.

يميّز التفكير النفسي المعاصر بين ثلاث حالات يخلط بينها الاستعمال اليومي: العزلة، وهي غياب الناس ماديًا من حولنا؛ والشعور بالوحدة (وهو ضرب من الاغتراب، أي الإحساس بالانفصال عن محيط كان يُفترض أن ينتمي إليه المرء)، وهو انقطاع ذو معنى عن الآخرين حتى داخل الزحام؛ والخلوة، وهي أن يختار المرء أن يكون مع نفسه لا ضدها. وتذهب قراءات نفسية لهذه الظاهرة إلى أن الشعور بالوحدة تجربة انفصال واغتراب أعمق من مجرد الغياب المادي للرفقة، وأن ارتباطه بالهوية يجعل شخصًا محاطًا بعلاقات كثيرة يشعر بوحدة حقيقية، بينما يجد آخر في انفراده سكينة لا يقلقها غياب الناس عنها.


الصوت الثاني

لكن هذا الطرح، إن قُدّم دون تحفظ، قد ينزلق إلى تمجيد الخلوة كفضيلة مطلقة، وهو ما يستدعي اعتراضًا مشروعًا: القدرة على تعلّم البقاء وحيدًا ليست متاحة بالتساوي للجميع؛ فهي تفترض سكنًا آمنًا، ووقتًا فائضًا، وغيابًا لضغوط البقاء اليومي. وبالنسبة إلى كثيرين ممن يعيشون عزلة قسرية لا مختارة -كبار السن الذين فقدوا شبكتهم الاجتماعية، أو المهاجرين البعيدين عن أهلهم، أو سكان الأحياء الهامشية في المدن الكبرى- ليست المشكلة في نقص "مهارة الخلوة"، بل في نقص حقيقي في الروابط والدعم. ولهذا تقترح مقاربات أخرى مسارًا معاكسًا تمامًا: خطوات عملية لإعادة بناء الروابط تدريجيًا بدل الانسحاب أكثر، انطلاقًا من فهم جذور الشعور بالوحدة لا الاستسلام له. بين الطرحين توتر لا يُحسم بسهولة: متى تكون الخلوة نعمة، ومتى تكون الوحدة القسرية جرحًا يستحق الرفقة لا التأمل؟


السياق العربي

يملك التراث الإسلامي، والصوفي منه خصوصًا، تصورًا مؤسَّسًا لهذا التمييز منذ قرون: الخلوة الصوفية ليست انسحابًا عشوائيًا، بل ممارسة منظمة تخضع لشروط دقيقة -إذن الشيخ المرشد، ومدة محددة غالبًا بأربعين يومًا، والتزام بأركان أربعة هي الصمت والجوع والسهر والذكر الدائم. وكما توضح مقالات متخصصة في شروط دخول المريد إلى الخلوة الصوفية، يحوّل هذا الإطار الصارم العزلة إلى محطة تربية روحية موجّهة، لا هروبًا فوضويًا من العالم. هذا النموذج يفتح مقارنة مثيرة للتفكير مع خلوة إنسان اليوم أمام هاتفه المطفأ: في التصوف، لا يُترك المريد وحيدًا مع فراغه دون مرافقة ومعنى؛ بينما تُترك خلوة الإنسان المعاصر، في مدن كالدار البيضاء أو القاهرة أو الرباط، بلا إطار يحتويها، فتتأرجح بين استراحة عابرة وقلق لا اسم له.


ما الذي يبقى؟

ربما لا نعرف كيف نكون وحدنا لأننا لم نتعلم أن نفرّق أولًا بين ثلاث تجارب مختلفة تُختصر خطأً في كلمة واحدة. وربما لا يكون السؤال الصحيح "كيف أتحمّل وحدتي؟" بل "أي نوع من الوحدة أعيشه الآن، ولأي غرض؟". يبقى مفتوحًا أيضًا سؤال الحدود: متى تصبح الخلوة المختارة تدريبًا مفيدًا على الإصغاء للنفس، ومتى تتحول العزلة القسرية إلى جرح يحتاج رفقة إنسان لا صمت غرفة؟


للقراءة

النص المرجعي الفلسفي هنا هو "خواطر" (Pensées) لبليز باسكال، وتحديدًا شذرته الشهيرة عن عجز الإنسان عن الجلوس بهدوء في غرفة وحده. أما القراءتان التاليتان فهما مقاربتان نفسيتان معاصرتان تشرحان الظاهرة من زاويتين مختلفتين، لا نصًا فلسفيًا أصليًا:

سيكولوجيا الوحدة: لماذا نشعر بالوحدة والغربة؟ - نون بوست الشعور بالوحدة: ما الذي يجب عليك فعله لتجاوزه؟ - تمكين

اقرأ أيضًا في شبكتنا

من شبكة المقالاتي العربية، حول الخلوة الصوفية تحديدًا: ما هي شروط دخول المريد في الخلوة الصوفية؟ - أقطاب.




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98031705/lma...


: في نفس القسم