تركب سيارة أجرة في مدينة تعرفها منذ سنوات، فيعلن تطبيق الخرائط في هاتف السائق أن الطريق مغلق، ثم ينطفئ الجهاز فجأة. يلتفت إليك السائق: «أتعرف طريقًا آخر؟». تفتح فمك لتجيب، فتكتشف أنك لا تعرف من أزقّة المدينة إلا ما كان الهاتف يدلّك عليه. لم تكن المعلومة بعيدة عنك يومًا، لكنك لم تحمل في رأسك ما يكفي لتخمّن أين قد يكون الطريق. فماذا يبقى من المعرفة إذا كانت كلها مؤجَّرة عند غيرنا؟
إذا كان كل شيء متاحًا بنقرة، فلماذا نُتعب أنفسنا بالحفظ؟ وهل ما زال الحفظ فضيلة معرفية، أم أنه بقية من مدرسة قديمة ينبغي أن نتحرر منها؟
تدافع الكاتبة بيرل ليف، في مقال عنوانه «في مديح الحفظ»، عن موقف يخالف السائد التربوي. فالمعلمون اليوم يقولون في الغالب إن الأسماء والتواريخ والوقائع يمكن البحث عنها في ثوانٍ، وإن المهم هو مهارة التحليل. أما هي فترى، بعد سنوات من العمل، أن الفصل بين المعلومة والتحليل فصل مصطنع.
تنطلق من حكاية سمعتها من أحد المهندسين في شركة صغيرة عملت فيها مبكرًا: فريق شديد الإنتاجية، تعلّم أفراده مهنتهم في وحدة استخباراتية عسكرية كانت حواسيبها معزولة عن الإنترنت، فكان البحث عن معلومة يعني المشي إلى مبنى آخر. فاضطروا إلى قراءة كتب المراجع وحفظ ما فيها أو تدوينه، فتراكمت المعرفة سنة بعد سنة. وهي حكاية ترويها الكاتبة من ذاكرتها الشخصية، ولا سبيل إلى التحقق منها، ولا تثبت أن الحفظ وحده صنع تلك الإنتاجية؛ لكنها تخدم الفكرة التي تبني عليها.
الحجة الأولى أن التفكير لا يعمل في فراغ. لا يمكنك أن تربط بين أمرين إن كنت لا تعرف أن أحدهما موجود أصلًا، ولهذا تبقى مقيَّدًا بقلة ما تعرفه عمّا ينبغي أن تبحث عنه. ومثالها الجغرافيا: من لا يعرف مواضع البلدان على الخريطة يسمع تحليلات سياسية تبدو معقولة، وهي لا تصمد أمام نظرة واحدة إلى الخريطة. وتسأل: لماذا تنال سلطنة عُمان في الخليج ثقلًا يفوق حجمها؟ لأن شبه جزيرة مسندم تطل على مضيق هرمز، المنفذ البحري الوحيد للخليج إلى المحيط. وتنبغي هنا دقة تصحيحية: ممرات المضيق تقع أساسًا في المياه الإقليمية لعُمان وجزئيًا في المياه الإقليمية لإيران، فعُمان لا تتحكم فيه وحدها كما يوحي المقال. غير أن الفكرة العامة تصمد: من يعرف موضع المضيق على الخريطة يفهم بسرعة سبب ذلك الثقل.
والحجة الثانية أن الحفظ ينظّم المعرفة. المعلومة التي تصل إلى الذهن بلا نقاط ارتكاز تتبخر سريعًا، أما إن كنت تحفظ بضعة معالم كبرى، كتاريخ بداية حرب وتاريخ نهايتها، فإن كل تاريخ جديد يجد مكانه بينها، فتتذكره لأنك تعرف أين تضعه. بهذا المعنى يصير المحفوظ سقالة تُعلَّق عليها المعرفة اللاحقة، لا كومة معلومات متفرقة.
أما الحجة الثالثة فهي الأقرب إلى الوجدان: ما يُحفظ يبقى معك. تروي الكاتبة أن مدرستها أجبرت الطلاب على حفظ أبيات قليلة من قصيدة، بعد احتجاج صاخب منهم، ثم عادت إليها تلك الأبيات مرات عدة على مدى السنين، فازدادت فهمًا لها في كل مرة، ولم تكن لتبحث عنها. وتلاحظ أن ثقافات كثيرة أدركت هذا قبلنا: منها لقب «الحافظ» الذي يُمنح لمن حفظ القرآن كاملًا، ومن الناس من يحفظ قصيدة كيبلنغ «If—» ليتكئ عليها في الأزمات.
لكن الحفظ وحده ليس ضمانة للفهم، وقد انتبه إلى ذلك من عاش في قلب ثقافة الحفظ. فابن خلدون خصّ التعليم في «المقدمة» بفصول كثيرة، منها فصل يرى أن كثرة المختصرات المؤلَّفة في العلوم تُخلّ بالتعليم، وفصل آخر يرى أن الشدة على المتعلمين تضرّ بهم. وفي فصل ثالث وصف مذهب أهل المغرب في تعليم الصغار، وهو الاقتصار على تحفيظ القرآن ومسائل رسمه، ولاحظ أن انقطاع التلميذ عند هذه المرحلة يكون في الغالب انقطاعًا عن العلم بالجملة. فالحفظ عنده مرحلة من مراحل التعليم، لا غايته.
ومن جهة أخرى، تستند حجج المقال إلى تجربة شخصية أكثر مما تستند إلى دراسات، وهي تجعل من الحفظ التفسير الأول للنجاح، بينما قد تكون عوامل أخرى، كالفضول والمناخ المهني وطول الممارسة، أهم منه. ثم إن الحفظ الذي تمدحه الكاتبة حفظٌ مقرون بمحاولة الربط والدمج في معرفة قائمة، لا ترديدٌ آلي لما لا يُفهم؛ والنقاش الحقيقي يدور حول هذا الفرق.
في المغرب، ارتبط الحفظ طويلًا بالكُتّاب أو «المسيد»، ثم بالمتون التي كان طالب العلم يحفظها قبل أن يشرحها له شيخه، كـ«الآجرومية» في النحو، و«ألفية ابن مالك»، و«متن ابن عاشر» في الفقه المالكي. وكان الحفظ في كثير من هذه الحلقات مدخلًا إلى الشرح لا بديلًا منه: يحفظ الطالب النص الموجز، ثم يعود إليه مع كل شرح جديد فيفتح له بابًا لم يكن يراه.
وفي مدارسنا اليوم شكوى مألوفة تقابل ذلك: يحفظ التلميذ ليجتاز الامتحان ثم ينسى، فلا يبقى من الحفظ شيء ولا من الفهم. فربما لا يكون السؤال «الحفظ أم الفهم؟»، بل: ما الذي يستحق أن نحفظه، ومن أجل أي فهم؟
لعل السؤال الأدق لا يتعلق بالحفظ في ذاته، بل بما نرضى أن يسكن رؤوسنا وما نتركه للأجهزة. ربما يحسن أن يبقى في متناولك دون بحث: خريطة تقريبية للعالم الذي تعيش فيه، وبضعة تواريخ كبرى، ونصٌّ أو بيتُ شعر تعود إليه في أيامك الصعبة؛ وما عدا ذلك قد يكفيه محرك بحث. فما الذي تحفظه اليوم عن ظهر قلب لأنك اخترته، لا لأن امتحانًا فرضه عليك؟ وما الذي تركته للهاتف، وأنت تعلم أنك ستحتاج إليه يومًا دون أن تعرف كيف تسأل عنه؟
النص الأصلي الذي استند إليه هذا المقال، ومرجع من التراث:
In Praise of Memorization - Pearl Leff (النص الأصلي، مقال تأملي يقوم على التجربة الشخصية لا على دراسات) ابن خلدون، «المقدمة»، الباب السادس في العلوم وأصنافها والتعليم وطرقه، ومنه الفصول: «في أن كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم مخلة بالتعليم»، و«في تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية في طرقه»، و«في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم»يلتقي هذا السؤال مع مقالين سابقين في فِكرة. الأول لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟، عن علاقتنا بالوقت والانتباه أمام الشاشة. والثاني لماذا لا نُشبه من كتب قائمة أمنياتنا؟، عن الشخص الذي كتب لنا في الماضي وما بقي منه فينا.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98145242/lim...