☰

لماذا لا يبدو السِّكّير سكرانَ؟


الجمعة 6 نونبر 2026 à 18:13 |



تعرف زميلًا منذ سنوات: يصل إلى الاجتماع في موعده، يتكلم بهدوء، يضحك في مكانه، لا تفوته التفاصيل. ثم تعلم ذات يوم، من قريب له أو من خبر عابر، أنه كان يشرب كل ليلة حتى ينطفئ. لم تره مرة واحدة مترنّحًا، ولم تشمّ في كلامه أثرًا لشيء. وتسأل نفسك بشيء من الحرج: كيف فاتني هذا كله؟ هل كنت غافلًا، أم أن ما كان أمامي لم يكن يقول شيئًا أصلًا؟

السؤال

هل يخبرنا ما نراه من إنسان في لحظة ما عمّا هو عليه في حقيقته؟ أم أن الهيئة التي نلتقيها لا تقول عن العادة التي تصنعه إلا القليل؟



الفكرة: الحال غير العادة

قبل نحو ألفَي عام، كتب الفيلسوف الرواقي سينيكا إلى صديقه لوكيليوس رسالته الثالثة والثمانين، وفيها يفرّق تفريقًا حاسمًا بين «السكران» (ebrius) و«السِّكّير» (ebriosus): فالأول قد يكون سكر مرة واحدة ولم يعتد الشرب، والثاني كثيرًا ما يكون في غير حال السُّكر. السكران موصوف بحال، والسِّكّير موصوف بعادة.

والعربية تحفظ هذا الفرق في بنية الكلمة نفسها: «سكران» صفة لمن هو في الحال الآن، أما «سِكِّير» فعلى وزن «فِعِّيل» الذي يدلّ على الكثرة والملازمة، كما نقول «صِدِّيق» لمن لازم الصدق حتى صار طبعًا له. اللغة هنا تفكّر قبلنا: الصفة الأولى تصف لحظة، والثانية تصف إنسانًا.

ومن هنا المفارقة: قد يشرب المرء بانتظام وإفراط، ولا يبدو سكرانَ في أيّ لقاء عابر. فما نلتقيه هو الحال، أما العادة فتعيش في ما لا نراه: في الليل، في البيت، في التكرار.


الصوت المخالف: العادة تُخفي… ثم تفضح

قد يُقال إن هذا التفريق مريح أكثر مما ينبغي، كأنه يمنح العادة غطاءً لطيفًا. والحقّ أن العادة لا تختبئ فحسب، بل تتعلّم الإخفاء: فالجسد الذي يعتاد الكحول يكتسب مع الوقت قدرًا من «التحمّل»، أي يتكيّف مع المادة فتقلّ علاماتها الظاهرة عند الكمية نفسها. هكذا تصنع العادة القناعَ الذي يحجبها.

لكن سينيكا نفسه لا يتوقف عند هذا الحدّ. ففي الرسالة ذاتها يرى أن السُّكر يُشعل كل عيب ويكشفه، ويُسقط الحياء الذي كان يكبح النوايا السيئة. أي إن الحال، حين تقع، تفضح ما كانت العادة تُخفيه. فالمظهر ليس كاذبًا دائمًا، بل متقطّع: يصمت طويلًا، ثم يتكلّم دفعة واحدة.

من التراث إلى حياتنا

في «تهذيب الأخلاق» يعرّف مسكويه الخُلُق بأنه «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية». العادة إذن ليست ما نفعله أمام الناس، بل ما يصدر عنّا دون أن نفكّر فيه، حين لا يرانا أحد. وهي الفكرة التي سبقه إليها أرسطو حين جعل الفضائل والرذائل «ملكات» تُكتسب بالتكرار لا أفعالًا مفردة، والتي سيبني عليها ابن خلدون لاحقًا تصوّره لـ«الملَكة» التي ترسخ في النفس بتكرار الفعل: فالتكرار الذي يصنع الحِذق في الصنعة هو نفسه الذي يصنع الإدمان في الخفاء.

والسؤال لا يخصّ الكأس وحدها. فينا من لا يبدو «مدمنًا» على هاتفه في أي اجتماع، لكنه يقضي ليله بين الشاشات؛ ومن لا يبدو قلقًا في أي لقاء، لكنه لا ينام؛ ومن يبتسم في السهرة العائلية لأن الجميع ينتظر منه أن «يبدو بخير». نحن نعيش في زمن الصور السريعة: لقطة في منشور، لحظة في مكالمة فيديو، انطباع في دقيقة. وكلّها «أحوال». أما «العادات» فلا تظهر في الصورة.


ما يبقى

ربما لا يعلّمنا الفرق بين السكران والسِّكّير شيئًا عن الخمر بقدر ما يعلّمنا شيئًا عن حدود نظرتنا. ما نراه من الآخرين لحظاتٌ، وما يصنعهم تكرار. فهل نملك، حين نحكم على أحد من لقاء أو صورة، أن نعرف أيّهما رأينا؟ وماذا لو طرحنا السؤال نفسه على أنفسنا: أيّ عاداتنا لا تظهر في أيّ صورة لنا؟

هذا تأمل فلسفي لا تشخيص طبي. من يقلقه أمر الشرب، لديه أو لدى قريب، فالأجدر به أن يستشير مختصًّا.

للتوسّع سينيكا، الرسالة 83 إلى لوكيليوس (النص اللاتيني الأصلي مع شرح جاك بايي)، الفقرة 11 للتفريق بين السكران والسِّكّير، والفقرة 19 لأثر السُّكر في كشف العيوب. مسكويه، «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، المقالة الثانية في تعريف الخُلُق. أرسطو، «الأخلاق إلى نيقوماخوس»، الكتاب الثاني، في اكتساب الفضيلة بالعادة.

اقرأ أيضًا في فِكرة وشبكتنا هل يكفي أن نتدرّب كثيرًا لنُتقن؟، عن «الملَكة» عند ابن خلدون وكيف يصنع التكرار ما نحن عليه. هل السعادة واجب؟، عن المسافة بين أن «نبدو بخير» وما نعيشه حقًّا. اكتشف منصّات شبكة المقالاتي العربية.



المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98430078/lim...


: في نفس القسم