لماذا لا نُشبه من كتب قائمة أمنياتنا؟


الأربعاء 16 شتنبر 2026 à 18:03 |



تفتح تطبيق الملاحظات في هاتفك فتجد قائمة كتبتها قبل عشر سنوات بعنوان "أشياء أفعلها قبل الأربعين": تعلّم الغوص، زيارة اسطنبول، حضور مهرجان موسيقي في الخارج، قراءة مئة كتاب في سنة واحدة. تبتسم لبعضها، وتشعر بالغربة أمام بعضها الآخر: من كتب هذا بالضبط؟ لماذا بدت هذه الأشياء بهذه الأهمية آنذاك؟ وفي المقابل، أشياء تعرف اليوم أنها الأثمن -وقت أطول مع أب يكبر في السن، تعليم أحدهم مهارة تحبها- لم تكن يومًا على تلك الورقة.



السؤال

لماذا لا تشبهنا قوائم الأمنيات التي كتبناها بأيدينا قبل سنوات؟ وهل المشكلة أننا فشلنا في إنجاز ما فيها، أم أن الشخص الذي كتبها لم يعد هو نفسه الذي يقرأها اليوم؟


الفكرة

تشير كتابات حديثة في هذا الموضوع إلى أن قوائم "الأشياء التي يجب فعلها قبل الموت" تحمل عيبًا بنيويًا: إنها لقطة ثابتة لرغبات شخص واحد في يوم واحد، بينما الإنسان نفسه لا يتوقف عن التغيّر. ما بدا مثيرًا في الخامسة والعشرين -حضور مهرجان معيّن، اقتناء سيارة بعينها- قد يفقد معناه تمامًا في الخامسة والثلاثين، لا لأن الشخص "فشل"، بل لأن الرغبة نفسها كانت عابرة أصلاً.

يضيف الكاتب ديفيد كاين، في مقال نُشر مؤخرًا على مدونته Raptitude، ملاحظة أدق: تحقيق أمنية مرة واحدة لا يُشبع الرغبة بشكل دائم؛ فزيارة لندن لا تعني بالضرورة أنك لن ترغب في العودة إليها، ولا أن عليك أولاً "عبور" وجهات أخرى لتعيش حياة أصيلة. كما أن أغلب الأهداف الكبرى تتطلب مجهودًا يقترب من كامل الطاقة مقابل مكافأة صغيرة نسبيًا، في حين أن أشياء يومية متواضعة -قهوة جيدة، سيارة تُستخدم كل يوم- قد تمنح سعادة أكثر ثباتًا واستمرارًا. ويلاحظ الكاتب أن كثيرًا من بنود هذه القوائم مُستعارة أصلاً من الآخرين أو من موضة رائجة، لا من رغبة أصيلة، مستحضرًا مثال الرحالة الأمريكي جون غودارد الذي حقق ١٠٩ من أصل ١٢٧ هدفًا كتبها في شبابه، لكنه فعل ذلك بتحويل "إنجاز الأهداف" نفسه إلى مهنة بدوام كامل -وهو نموذج يصعب تعميمه على حياة عادية. أما هو نفسه، فبعد خمسة عشر عامًا من متابعة قائمته، أنجز نحو نصف بنودها، ليكتشف أن التزاماته الحقيقية الجديدة لم تكن تجارب استعراضية يمكن التقاط صورة لها، بل أفكار يريد مشاركتها، وتحديات شخصية طويلة الأمد، ومساعدة الآخرين -أي علاقات، لا لحظات.


الصوت الثاني

لكن التخلي الكامل عن التخطيط للمستقبل له مخاطره أيضًا. فبلا أي التزام مكتوب، قد يتحول الانفتاح على التغيّر إلى ذريعة للتسويف وغياب الاتجاه؛ فبعض الناس يحتاجون فعلاً إلى قائمة تُلزمهم بالمضي قدمًا حين يتردّدون. كما أن التخطيط للمستقبل -توفير المال، تربية الأبناء، بناء مهنة- ليس بالضرورة وهمًا؛ فبعض الأهداف تستحق المثابرة رغم أنها لا تمنح مكافأة فورية. المسألة إذن ليست في وجود القائمة أو غيابها، بل فيما إذا كانت تخدم الشخص الذي أنت عليه الآن، أم تُبقيه رهينة لشخص لم يعد موجودًا.


السياق العربي

يلتقي هذا السؤال مع نقاش قديم في التراث الإسلامي حول ما يُعرف بـ"طول الأمل"، وهو التعلّق المفرط بمشاريع بعيدة في المستقبل على حساب الحاضر. خصّص أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين" فصولاً لذمّ هذا التعلق، معتبرًا أن الانشغال الدائم بتأجيل الحياة الحقيقية إلى "بعد أن أُنجز كذا" يُبعد الإنسان عن العمل الصادق في اللحظة التي يعيشها فعلاً. ويُروى في هذا السياق حديث مشهور عن ابن عباس ينصح فيه بانتهاز خمس قبل خمس: الشباب قبل الهرم، والصحة قبل السقم، والغنى قبل الفقر، والفراغ قبل الشغل، والحياة قبل الموت -وهو حديث يُروى بأسانيد مختلفة، وقد تحفّظ بعض المحدّثين على بعض طرقه، فيُستأنس به لا يُحتج به فقهيًا وحده. غير أن هذا التراث نفسه لم يدعُ إلى إلغاء التخطيط كليًا؛ فالعلماء ميّزوا بين "الأمل" المشروع المرتبط بالعمل والمسؤولية -كمن يغرس شجرة يعلم أنه قد لا يأكل ثمرها- وبين "طول الأمل" المذموم الذي يُنسي صاحبه الموت ويجعله يؤجل كل معنى حقيقي إلى وعدٍ لا يفي به الزمن. واللافت أن كثيرًا من مستخدمي قوائم الأمنيات في المنطقة العربية اليوم، بخاصة على تطبيقات تنظيم الأهداف، يعيدون إنتاج هذا التوتر نفسه دون أن يسمّوه: قائمة تكبر باستمرار، بينما الحاضر يُؤجَّل باستمرار أيضًا.


ما الذي يبقى؟

ربما لا تكمن المشكلة في كتابة قائمة أصلاً، بل في معاملتها كوثيقة نهائية لا تُراجَع. فالشخص الذي كتبها بالأمس ليس خائنًا لأنه تغيّر، والشخص الذي يقرأها اليوم ليس ملزمًا بالوفاء بوعد قطعه شخص آخر يشبهه فقط بالاسم. يبقى السؤال مفتوحًا: ماذا لو كانت القائمة التي تستحق أن نكتبها ليست قائمة بأشياء نفعلها مرة واحدة، بل قائمة بالطريقة التي نريد أن نكون عليها، يوميًا، بينما الوقت يمر؟


للقراءة

النص الأصلي الذي استند إليه هذا المقال، ومصدران من التراث يمكن العودة إليهما للتوسّع في الفكرة:

How to Outlive Your Bucket List - Raptitude (النص الأصلي، بقلم ديفيد كاين) أبو حامد الغزالي، "إحياء علوم الدين"، فصوله عن ذمّ "طول الأمل" وأمراض القلوب الحديث المروي عن ابن عباس في اغتنام الخمس قبل الخمس (يُروى بأسانيد مختلفة، ويُستأنس به لا يُحتج به فقهيًا وحده)

اقرأ أيضًا في فِكرة

يلتقي هذا السؤال مع مقالين سابقين في فِكرة. الأول لماذا نخشى أن نقول: لا أدري؟، إذ يشترك الموضوعان في نقد الرغبة بتثبيت إجابة أو التزام نهائي بدل قبول التغيّر. والثاني لماذا تلتهم الشاشة شعورنا بمرور الوقت؟، فكلاهما يسأل عن العلاقة بين ما نخطط له وما نتذكره فعلاً حين ننظر إلى الوراء.




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98043131/qai...


: في نفس القسم