تفتح هاتفك في انتظار الحافلة لتتفقد رسالة واحدة، فتجد نفسك بعد لحظة -كما تظن- تُطفئ الشاشة لتكتشف أن نصف ساعة مرّت دون أن تشعر. لم تقرأ شيئًا يستحق الذكر، ولم تُحادث أحدًا بعينه، ومع ذلك يصعب عليك أن تسرد لنفسك أين ذهب ذلك الوقت. في المساء، حين تراجع يومك، يبدو أنه انقضى في غمضة عين، رغم أنك أمضيت ساعات أمام الشاشة. والمفارقة أن الأسابيع نفسها بدأت تشبه بعضها: طويلة وأنت تعيشها، قصيرة حين تتذكرها.
لماذا يتسارع إحساسنا بمرور الوقت كلما ازداد استخدامنا للشاشات، رغم أن الساعة نفسها لا تتغير؟ ولماذا تبدو اللحظة الرقمية خفيفة سريعة وهي تمر، ثم ثقيلة فارغة حين نحاول أن نستعيدها؟
لعقود ظن الباحثون أن في الدماغ نوعًا من "الساعة الداخلية" تقيس مرور الوقت بشكل مستقل، مثل عدّاد يعمل في الخلفية. لكن أبحاثًا حديثة تنقض هذا التصور: لا يوجد عضو مخصص لعدّ الوقت، بل يقيس الدماغ مروره عبر تراكم التغيرات والمثيرات التي يلتقطها من حولنا. كلما تعرّضنا لمزيد من المؤثرات الحسية، شعرنا أن وقتًا أطول قد مرّ.
هنا يكمن المفتاح: إدراكنا للوقت يمرّ عبر طبقتين مختلفتين. طبقة "آنية" تتشكل من الانشغال اللحظي بالمثير الذي أمامنا، وطبقة "استرجاعية" تُبنى لاحقًا من الذاكرة، حين نحاول أن نعيد تركيب ما جرى. والمشكلة أن هاتين الطبقتين قد تتناقضان: التمرير على الشاشة يشغل انتباهنا اللحظي فيبدو سريعًا وهو يمر، لكنه لا يترك في الذاكرة ما يكفي لنبني منه سردًا، فينهار إحساسنا الاسترجاعي بالوقت حين نلتفت إلى الوراء. وقد لخّصت دراسة نُشرت في مجلة Noema هذه المفارقة بدقة: نحن لا نفقد الوقت فعليًا، بل نفقد قدرتنا على تذويته في الذاكرة، فتبدو السنوات وكأنها "تنهار" على بعضها لأنها لم تُسجَّل بما يكفي من التفاصيل المتمايزة.
لكن هذا التفسير القائم على الذاكرة والشاشة ليس التفسير الوحيد المطروح. فمنذ القرن التاسع عشر، اقترح بعض الباحثين تفسيرًا مختلفًا تمامًا: أن الوقت يتقلّص في إدراكنا كلما تقدّمنا في العمر، بصرف النظر عن الشاشات، لأن كل سنة جديدة تصبح نسبةً أصغر من مجموع سنوات حياتنا التي عشناها. بهذا المنطق، فإن شكوى الشاب العشريني من "سرعة الوقت" ليست جديدة، ولا تحتاج بالضرورة إلى شاشة كي تُفسَّر؛ إنها ببساطة رياضيات العمر. ومن زاوية أخرى، قد يُقال إن الدعوة إلى "استعادة الملل" وتقليص وقت الشاشة هي ترف لا يملكه كثيرون ممن يلاحقون وظيفتين أو أكثر لتأمين العيش؛ فالمسافة بين النصيحة الفلسفية والإمكان الفعلي ليست دائمًا مسافة قصيرة.
في المدن العربية الكبرى -الدار البيضاء، القاهرة، عمّان- تغيّر إيقاع اليوم بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير. كان الوقت التقليدي يُقاس بعلامات خارجية واضحة: الأذان يفصل بين الأوقات، والسهرة العائلية تحدّد بداية المساء ونهايته، والمواسم الزراعية أو الدينية تمنح السنة إيقاعًا محسوسًا. أما اليوم، فبات كثيرون يقيسون المساء بعدد المقاطع القصيرة التي مرّت أمامهم، لا بعدد الأحاديث التي جرت فيه. والمنطقة العربية، التي تُعدّ من أعلى مناطق العالم استهلاكًا للفيديو القصير، ليست بمنأى عن هذه الفجوة بين وقتٍ "ممسوك" بعلامات ملموسة ووقتٍ "متسرب" عبر الشاشة؛ بل تعيشها الأسرة العربية في بيتها كل مساء. وقد يكون المثل الشائع "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك" قابلاً لقراءة جديدة هنا: فالسيف الذي كنا نخشى أن يفوتنا، بات اليوم يخشى أن يُقطّعنا إلى مقاطع قصيرة متتالية، فلا نحتفظ منه بشيء نستطيع أن نرويه لاحقًا.
ربما لا يكمن الفرق الحقيقي بين اليوم والأمس في سرعة الساعة نفسها، بل في ما نسمح له أن يترك أثرًا فينا. السؤال الذي يظل مفتوحًا ليس "كيف نُبطئ الوقت؟"، بل أي لحظات نريد أن نتذكرها بعد عشر سنوات. وقد يكون الملل الذي نهرب منه يوميًا هو بالضبط اللحظة التي تُكتب فيها الذاكرة، لا اللحظة التي تُهدر فيها. لكن هذا الطرح نفسه يفترض أننا نريد أن نتذكر أصلًا؛ وهو افتراض لا يخلو من سؤال آخر لا يقل حدّة: هل كل يوم من أيامنا يستحق أن يُختزن، أم أن بعض النسيان رحمة لا ينبغي أن نحاربها؟
النص الأصلي الذي استند إليه هذا المقال، والقراءتان اللتان يمكن العودة إليهما للتوسّع في الفكرة:
Your Perception Of Time Is, In Fact, Warped - Noema Magazine (النص الأصلي، ويستعرض أبحاث ائتلاف TIMED الأوروبي بقيادة الباحثة روث أوغدن حول علاقة الأجهزة الرقمية بإدراك الوقت) وليام جيمس، "مبادئ علم النفس" (1890) - أحد أقدم النصوص التي ناقشت لماذا يبدو الزمن أطول في الطفولة منه في الكبرهذا أول مقال في زاوية "فلسفة الشاشة"، لكن قارئ فِكرة قد يجد صدى لهذا السؤال في مقال سابق يناقش علاقتنا بالصمت والانفراد: لماذا نخاف من البقاء وحدنا؟، فكلا السؤالين يدوران حول ما يحدث لنا حين نُترك، ولو للحظة، بلا مثير خارجي يشغلنا عن أنفسنا.
المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98042889/fal...