حين يطرح مستخدم على منصات الذكاء الاصطناعي سؤالاً عن أكثر النزاعات المسلحة دموية في العالم اليوم، قد يتوقع إجابة محايدة ومتقاطعة مع الوقائع الموثقة. غير أن التجربة التي أجراها الصحفي الفرنسي فرانسيس بيزاني في نشرته Myriades على منصة Substack كشفت أن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو: الأداة نفسها، والسؤال نفسه، لكن النتائج تتباين تبايناً لافتاً من نظامٍ إلى آخر، بحسب الثقافة التي شكّلت بيانات كل نموذج.
وضع بيزاني السؤال ذاته أمام عدد من أنظمة الذكاء الاصطناعي المتاحة حول العالم. أحالت Mistral الأوروبية إلى غزة مع إشارة إلى أكثر من خمسين ألف قتيل، وهو رقم يقع دون المعدلات الأكثر تداولاً في المصادر الدولية. في المقابل، رأى Claude الأمريكي أن السودان يحتل الصدارة، مستشهداً بمئة وخمسين ألف قتيل وأكثر من ثلاثة وعشرين مليون نازح. أما DeepSeek الصينية، فقدّمت قائمة أشمل تضم أوكرانيا والسودان والكونغو وغزة. وأحجمت Yandex الروسية عن الإجابة كلياً، مستتراً بمبررات أخلاقية فضفاضة، وهو موقف يتكرر حين يتعلق الأمر بشخصيات أو وقائع حساسة داخل منظومة الدولة الروسية، وفق ما رصده باحثون في جامعة غنت البلجيكية حول أنماط الرقابة الذاتية في نماذج اللغة الكبيرة.
ليست المسألة هفوة تقنية عابرة، بل تعكس ديناميكية بنيوية: النماذج اللغوية الكبيرة ليست مرايا للواقع بقدر ما هي انعكاس للبيانات التي استُقيت منها، والسياقات الثقافية والسياسية التي حكمت جمعها. أثبت باحثو جامعة زيورخ بدراسة نُشرت عام 2024 أن ChatGPT يُدرج ذكر الضحايا المدنيين في غزة بنسبة مضاعفة حين يُسأل بالعربية مقارنةً بالعبرية، في حين يُضاعف ذكر الأطفال القتلى ستة أضعاف بحسب لغة المحاور. كذلك وثّق باحثو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نزعة نماذج صينية عدة نحو توصيات سياسية أكثر تشدداً في ملفات الشؤون الخارجية، بينما تحيل الدراسة المعمّقة لـفريق أيدا بغنت إلى تفاوت معدلات رفض الإجابة وفق الهوية الأيديولوجية للموضوع المُستفسَر عنه.
يستشرف هذا الواقع تحولاً أعمق يتمثل في إدراك دول وثقافات كثيرة لحجم ما تخسره حين تنزل في حضيرة الأنظمة الغربية حصراً. ففي الهند، يُجسّد Krutrim —أول يونيكورن هندي في مجال الذكاء الاصطناعي التوليدي— هذه الرغبة في الاستقلالية الرقمية، وإن واجه في مرحلة 2025-2026 إعادة هيكلة استراتيجية تضمنت وقف مشاريع تصميم الرقاقات والتحوّل نحو خدمات الحوسبة السحابية، وفق TechCrunch. في أفريقيا، تواجه الجهود التقنية معضلةً مضاعفة: قارة تضم أكثر من ألفي لغة تجد نفسها شبه غائبة عن بيانات التدريب للنماذج الكبرى. مبادرة Masakhane، التي يعني اسمها «نبني معاً» في لهجات زولو، تقود منذ سنوات مسيرة لسد هذا الفراغ بمنهجية مفتوحة المصدر، مستعيداً كذلك ما اعتبره تهديداً للسيادة الرقمية جراء الإرث الاستعماري الذي «أضرّ إضراراً بالغاً باللغات الأفريقية وأخرجها من الفضاء التكنولوجي»، وفق دراسة حديثة لـVTechWorks. وتبقى InstaDeep التونسية، المُستحوَذ عليها عام 2023 من قِبل BioNTech بما يزيد على ستمائة مليون دولار، الإنجاز الأبرز لنموذج الذكاء الاصطناعي «القادم من الجنوب».
في الفضاء الناطق بالعربية، تتسارع الخطى نحو نماذج سيادية. أصدرت الإمارات نسخة Jais 2 بسبعين مليار معامل في ديسمبر 2025، مدرَّباً على البيانات العربية من نصوصها الفصحى حتى تعبيرات التواصل الاجتماعي. وأعلنت قطر عن Fanar 2.0 بسبعة وعشرين مليار معامل في الحدث ذاته، مزوداً بمرشّح ثقافي ديني يُعرف بـFanarGuard، فيما تستعد المملكة العربية السعودية عبر HUMAIN بمئة مليار دولار لترسيخ ريادتها في المنطقة. وكان باحث قطري في مجلة Nature Middle East قد حذّر مسبقاً من أن الاعتماد على نماذج مدرَّبة أساساً بالإنجليزية ينطوي على «مخاطر تتجاوز البُعد التقني لتمسّ السيادة الثقافية».
يحدث كل هذا في سياق يؤكد فيه تقرير CNUCED لعام 2025 أن مائة شركة فقط —معظمها أمريكية وصينية— تستحوذ على أربعين بالمئة من إنفاق قطاع الأعمال عالمياً في بحث وتطوير الذكاء الاصطناعي، وأن مئةً وثماني عشرة دولة، في معظمها من الجنوب العالمي، غائبة عن صياغة قواعد الحوكمة الدولية لهذه التقنية. لا يُفضي ذلك إلى مجرد تفاوت في الأداء، بل إلى ما يُشبه تقسيماً معرفياً للعالم يُعيد إنتاج تراتبيات قديمة في شكل خوارزميات.
تقترح تجربة بيزاني ما هو أبعد من نقد تقني: ممارسة منهجية للتعددية المعرفية حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. كما يُنبّه الصحفي المخضرم إلى أن الذكاء الاصطناعي الصيني يرفض الإجابة عن أسئلة تتصل بشخصيات النظام، مثلما يفعل الصحفيون في بلدان تقيّد حريتهم. «الكوني» الذي تروّج له كبرى شركات التقنية لم يكن يوماً محايداً؛ وربما كان الاعتراف بهذه الحقيقة أولى خطوات التعامل الناضج مع هذه التكنولوجيا.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...

الذاكرة الدماغية من الفيض العشوائي إلى الدقة
