غرقت سفينة الشحن الروسية «أورسا ميجور» في البحر الأبيض المتوسط بين إسبانيا والجزائر في ديسمبر 2024 بعد انفجار في غرفة المحرك، ما أدى إلى إنقاذ 14 من أفراد طاقمها وفقدان اثنين، وفق بيان رسمي لوزارة الخارجية الروسية نقلته تقارير إعلامية دولية. في ذلك الوقت قُدِّم الحادث كواقعة بحرية مرتبطة بسوء الأحوال الجوية أو بعطل فني في غرفة المحركات، قبل أن تظهر لاحقًا معطيات جديدة تفتح الباب أمام فرضيات تتجاوز مجرد حادث عرضي.
تحقيق لشبكة «سي إن إن» الأميركية، استند إلى تصريحات ومصادر مطلعة، أشار إلى أن السفينة كانت تحمل مكونين رئيسيين لمفاعلين نوويين يعتقد أنهما مخصصان لكوريا الشمالية، مرجِّحًا أن يكون استخدامهما في برنامج الغواصات لدى بيونغ يانغ. ووفق ما نُقل عن قائد السفينة، الذي أوقف لاحقًا في إسبانيا، فإن الشحنة شملت «مكونات لمفاعلين نوويين مماثلين لتلك المستخدمة في الغواصات»، لكنه أكد في المقابل عدم معرفته ما إذا كانت الشحنة تتضمن وقودًا نوويًا مهيأً للاستخدام. هذه الإفادة، وإن كانت تترك مساحة من الغموض بشأن طبيعة المواد ونوعها، تضع الحادث في قلب شبكة معقدة من العلاقات بين موسكو وبيونغ يانغ والتعاون العسكري والتقني بينهما.
مسار السفينة قبل الغرق أضفى بدوره بعدًا إضافيًا على التساؤلات؛ إذ كانت، بحسب تقارير متقاطعة، جزءًا مما يُعرف بـ«أسطول الظل» المرتبط بنقل معدات عسكرية ومواد حساسة بعيدًا عن الرقابة التقليدية على حركة الشحن البحري. وكانت السفينة قد اشتهرت سابقًا بدورها في نقل تجهيزات عسكرية إلى سوريا، ما جعل سجلها التشغيلي موضع متابعة من أجهزة استخبارات غربية قبل حادث ديسمبر 2024. إعلان شركة روسية مرتبطة بوزارة الدفاع أن السفينة تعرضت «لهجوم إرهابي» قبل غرقها، وتحدثها عن ثلاثة انفجارات متتالية على متنها، زاد من تعقيد الصورة بدلاً من توضيحها، خاصة مع غياب تفاصيل عن الجهة المفترضة التي قد تكون استهدفتها أو دوافع هذا الاستهداف.
بعد أسبوع تقريبًا من غرق «أورسا ميجور»، وصلت إلى المنطقة السفينة الروسية «يانتار» التي تُعرّفها موسكو كسفينة أبحاث محيطية، لكنها تُدرج في الأدبيات الغربية ضمن أدوات المديرية العامة لأبحاث أعماق البحار التابعة لوزارة الدفاع الروسية، والمتهمة بتنفيذ مهام استخباراتية في قاع البحار. البيانات المتاحة من تتبع حركة السفن أظهرت أن «يانتار» تمركزت فوق موقع الحطام لمدة خمسة أيام متواصلة تقريبًا، في نمط يوحي بعمليات غوص واسترجاع لمكونات حساسة من قاع البحر، سواء كانت مرتبطة بالمفاعلَين المفترضين أو بأنظمة أخرى ذات قيمة عسكرية أو تكنولوجية. غياب أي توضيح رسمي روسي حول طبيعة المهمة التي نفذتها «يانتار» قرب الحطام ترك المجال مفتوحًا لتقديرات استخباراتية تفترض أن موسكو سعت إلى استعادة ما يمكن استعادته من الشحنة قبل أن تتمكن أطراف أخرى من الوصول إليها.
التقارير المتداولة تشير كذلك إلى أن أربعة انفجارات إضافية رُصدت في المنطقة بعد مغادرة «يانتار»، ما أثار احتمال لجوء أطراف ما إلى تدمير أجزاء من الحطام أو محاولة إخفاء أدلة مرتبطة بالشحنة، إلا أن هذه الفرضية لم تُدعَم حتى الآن بإعلان رسمي من أي طرف معني. في موازاة ذلك، أفادت مصادر إعلامية بأن سلاح الجو الأميركي أرسل طائرة متخصصة إلى الموقع مرتين بهدف الكشف عن أي إشعاعات أو مواد نووية في المنطقة، وجمع عينات من المخلفات المحتملة لتحليلها مخبريًا. طبيعة هذه الطائرة والمهام المرتبطة بها تعكس مستوى القلق الغربي من احتمال تسرب مواد نووية أو سقوط مكونات حساسة في أيدي جهات لا يُرغب في تعزيز قدراتها.
حتى الآن، لم تُعلن أي جهة رسمية نتائج قاطعة حول ما إذا كان قد تم رصد تلوث نووي في محيط الحطام، كما لم تُكشف علنًا نتائج التحاليل الأميركية المرجحة للعينات التي جُمعت من الموقع. هذا الصمت، سواء كان ناجمًا عن اعتبارات سرية أو عن عدم وجود تلوث يُذكر، يساهم في تكريس الحالة الضبابية التي تحيط بالقضية، ويجعل السجال مفتوحًا بين رواية حادث بحري تقني ورواية شحنة نووية في طريقها إلى دولة خاضعة لعقوبات دولية بسبب برنامجها النووي.
على مستوى أوسع، يندرج هذا الملف ضمن سلسلة من المؤشرات على تطور التعاون العسكري بين روسيا وكوريا الشمالية، في وقت تتحدث فيه تقديرات غربية وكورية جنوبية عن امتلاك بيونغ يانغ لمخزون معتبر من اليورانيوم عالي التخصيب يكفي لإنتاج عشرات الرؤوس الحربية النووية، مع استمرار برنامجها في تطوير وسائل الإطلاق ومنصات بحرية محتملة. كما أن ظهور اسم «يانتار» مرة أخرى في سياق عمليات بحرية حساسة يعيد إلى الواجهة الجدل الغربي حول دور السفينة في مراقبة الكبالات البحرية واستطلاع البنى التحتية الإستراتيجية في أعماق البحار. في غياب معلومات رسمية شاملة حول طبيعة شحنة «أورسا ميجور» ونتائج عمليات البحث اللاحقة، يبقى هذا الحادث نقطة تقاطع بين مسارح متعددة: أمن الملاحة في المتوسط، وحرب المعلومات بين موسكو والغرب، والتوازنات المرتبطة بالبرنامج النووي الكوري الشمالي.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96538505/orsa-major...