يثير فيلم «فنّ التزوير» على نتفليكس أسئلة عميقة حول حدود الحقيقة في السياسة والفن معًا، مستندًا إلى قصة faussaire حقيقي تحوّل من فنان طموح إلى لاعب خطير في كواليس إيطاليا المضطربة في السبعينيات. في قلب روما، في زمن «سنوات الرصاص» التي اختلط فيها الإرهاب اليساري واليميني بتآمر أجهزة الدولة والجريمة المنظمة، نجد شابًا يمتلك موهبة استثنائية في الرسم، لكنه يصطدم بجدار مغلق اسمه «المؤسسة الفنية» التي لا تعترف إلا بالأسماء والدوائر المغلقة. من هذا الإقصاء المهني والاجتماعي يولد الانزلاق: تتحول الموهبة إلى أداة تزوير، ويصبح التقليد المتقن أكثر طلبًا من الإبداع الأصيل في سوق يسكنه الملاّكون، السماسرة، والوسطاء الغامضون. هنا يصبح العمل الفني، لا بوصفه لوحة فنية فقط، بل بوصفه «وثيقة» قادرة على تزوير الذاكرة والقيمة والتاريخ.
الفيلم يعيد بناء مسار faussaire مستوحى من شخصية حقيقية ارتبط اسمها بملفات حسّاسة، من بينها علاقات مع شبكات الجريمة المنظمة وبتفاصيل في قضية خطف الزعيم السياسي ألدو مورو. هذا التداخل بين عالم التزوير الفني واللعبة السياسية القذرة يمنح العمل بعدًا يتجاوز الحكاية الفردية، ليقدّم صورة عن «دولة الظل» التي تتقاطع فيها مصالح المافيا، بعض الأجنحة الأمنية، ودوائر نفوذ تستخدم الفن والوثائق والأخبار المضلّلة كسلاح ناعم لإدارة الخوف والرأي العام. التزوير في الفيلم ليس مجرد نسخ لوحة قديمة وبيعها في مزاد مغلق، بل هو ممارسة سياسية بامتياز: تزوير توقيع، بيان، أثر، رواية تاريخية كاملة. كل لوحة مزوّرة تضاف إلى السوق، وكل وثيقة ملفّقة تُسرَّب للإعلام، تعيد تشكيل إدراك الناس للواقع، وتشوّش على حقيقة ما جرى في تلك المرحلة الدموية.
من زاوية سينمائية، يعتمد «فنّ التزوير» على جو بصري قاتم، وأحياء روما الشعبية ومراسم الرسم والغرف الخلفية للغاليريهات، ليكشف التراتبية الطبقية في عالم الفن: من الهواة الفقراء الذين يطاردون اعترافًا، إلى التجار الذين لا تعنيهم إلا الأرقام، وصولًا إلى زبائن نافذين يبحثون عن عمل «نادر» يعلّقونه في صالوناتهم أو يخفونه في خزائنهم. في هذا العالم، يصبح سؤال «الأصالة» سؤالًا اقتصاديًّا وأخلاقيًّا وسياسيًّا في الوقت نفسه: من يقرر أن هذه اللوحة أصلية، وأن هذا التوقيع صحيح، وأن هذه الرواية عن حدث سياسي هي الرواية الرسمية؟ الفيلم يترك المشاهد أمام مفارقة مزعجة: إذا كان الجمهور والنقّاد يقفون منبهرين أمام لوحة مزوّرة لا يستطيعون تمييزها عن الأصل، فهل تكمن قيمة العمل في تاريخه أم في تأثيره الجمالي؟ وهل يصبح النظام الفني نفسه شريكًا في التزوير عندما يرفض الاعتراف بالمبدعين إلا عبر وساطة النفوذ والمال؟
بالنسبة للصحفيين وصنّاع المحتوى، يقدم «فنّ التزوير» مادة ثرية لقراءة الحاضر من خلال الماضي. فالعلاقة بين الصورة والواقع، وبين الوثيقة والحقيقة، وبين السوق وقيمة العمل، لم تعد حكرًا على لوحات المتاحف، بل تمتد اليوم إلى الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، والفيديوهات المفبركة، والحسابات المزيفة، و«الأخبار» التي تُبنى على روايات انتقائية. ما يرويه الفيلم عن استغلال موهبة فنية في صناعة لوحات مزيفة يشبه إلى حد بعيد استغلال مهارات تقنية اليوم في صناعة محتوى مضلل يخدم أجندات سياسية واقتصادية. داخل غرفة مظلمة في روما السبعينيات يرسم البطل لوحة مزيّفة، وداخل استوديو رقمي في زمننا يرسم خبير خوارزميات واقعًا افتراضيًّا لا يقل خطورة عن تلك اللوحة. في الحالتين، الجمهور يواجه منتجًا مُقنعًا، يحمل كل علامات «المصداقية»، بينما البنية التي تقف وراءه غارقة في المصالح والتلاعب.
ينجح «فنّ التزوير» في أن يكون أكثر من حكاية جريمة أو سيرة faussaire موهوب؛ إنه تأمّل في الطريقة التي تُصنع بها الشرعية، وكيف يكتب المنتصرون تاريخ الفن وتاريخ السياسة معًا. البطل في النهاية ليس مجرد مجرم، بل هو نتاج منظومة أغلقت أمامه أبواب الاعتراف، ثم استخدمت موهبته حين صار «مفيدًا» في اللعب على الحدود الرمادية بين القانوني وغير القانوني. هذه النظرة المعقدة تجعل الفيلم قريبًا من اهتمامات كل من يشتغل على تقاطع الثقافة والسياسة والإعلام: كيف نميّز الحقيقة في زمن يتقن التزوير أدواته الجمالية والرمزية؟ وكيف يمكن للصحافة أن تكشف، لا فقط تزوير اللوحات، بل أيضًا تزوير السرديات التي تبرّر العنف والتسلط باسم الأمن أو «مصلحة الدولة»؟ هكذا يترك «فنّ التزوير» متفرّجه أمام سؤال أخير: من حقّق «أثرًا» أكبر في التاريخ الحديث، الفنان الحقيقي الذي لم يُمنح فرصة، أم المزور الذي عرف كيف يوظّف موهبته في خدمة أكثر القصص ظلامًا؟
المصدر : https://cinemar.articlophile.com/articles/i/939335...


