مثّل تولي لالة زينب، المولودة سنة 1850 والمتوفاة سنة 1904، مشيخة الزاوية الرحمانية في الهامل بعد وفاة والدها الشيخ سيدي محمد بن أبي القاسم سنة 1897، تجربة مغايرة للأعراف التي كانت تنظم القيادة الدينية والاجتماعية في محيطها. فقد انتقلت إدارة مؤسسة صوفية واسعة النفوذ إلى امرأة في سياق كانت المشيخة فيه مرتبطة، في الغالب، بالرجال وبانتقال السلطة داخل الخطوط الذكورية للعائلات الدينية.
اختار الشيخ محمد بن أبي القاسم أن يعهد بقيادة الزاوية إلى ابنته، في خطوة خالفت التصورات الأبوية التي حصرت المشروعية الروحية وإدارة المؤسسات الصوفية في الذكور. ولم تكن المشيخة مجرد وظيفة رمزية، بل شملت الإشراف على أتباع الطريقة وعلى موارد الزاوية ومرافقها التعليمية والاجتماعية. لذلك حمل انتقالها إلى لالة زينب دلالة تتجاوز ترتيب الوراثة العائلية، إذ وضع امرأة في موقع مسؤولية دينية وإدارية مباشرة داخل مؤسسة ذات امتداد محلي.
واجهت لالة زينب بعد تسلمها المشيخة ظروفاً معقدة، تمثلت في محاولات من الإدارة الاستعمارية الفرنسية ومن منافسين ذكور داخل العائلة للتأثير في إدارة الزاوية أو انتزاع القيادة منها. غير أنها حافظت على موقعها وعلى استقلال المؤسسة، مستندة إلى مكانتها داخل الزاوية وصلتها بالمريدين وقدرتها على إدارة شؤونها. وأظهر هذا المسار أن النزاع حول المشيخة لم يكن عائلياً فقط، بل ارتبط كذلك بموقع الزوايا في المجال الاجتماعي وباهتمام السلطة الاستعمارية بمؤسسات تمتلك شبكة من الأتباع والموارد.
تولت لالة زينب إدارة مجمع الزاوية في الهامل، الذي ضم مرافق للتعليم وإيواء المريدين، إلى جانب أراض زراعية واسعة. وقد تطلبت هذه المسؤولية الإشراف على البنية الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسة، وتنظيم علاقتها بالمنتسبين إليها وبمحيطها. ومن خلال ذلك، لم تعد القيادة النسائية محصورة في أدوار مساندة أو داخلية، بل ظهرت في مركز إدارة مؤسسة دينية واجتماعية ذات حضور فعلي.
وأتاح هذا الموقع للالة زينب أن تفرض حضورها في مواجهة مطالب المنافسين الذكور وفي تعاملها مع الإدارة الفرنسية. فقد ارتبطت سلطتها بمعرفتها بالشؤون التنظيمية للزاوية وبقدرتها على حماية توازناتها، فضلاً عن الشرعية الروحية التي انتقلت إليها من والدها. وبذلك قدمت تجربتها نموذجاً لقيادة نسائية جمعت بين إدارة الموارد، والحفاظ على شبكة المريدين، ومواجهة تدخلات خارجية في ظل الاحتلال الفرنسي.
ولم ينحصر صدى هذه التجربة في محيط الزاوية الرحمانية. فقد لفتت شخصية لالة زينب اهتمام عدد من الأوروبيين، ومن بينهم الكاتبة والرحالة إيزابيل إيبرهارت، التي زارتها ونقلت باللغة الفرنسية مشاهدات وتعاليم مرتبطة بها. وساهمت هذه الزيارة في تداول صورة زعامة نسائية مسلمة تتولى موقعاً دينياً واجتماعياً في منطقة خاضعة للاستعمار، خارج التصورات المبسطة التي كانت سائدة في بعض الكتابات الأوروبية عن النساء في المجتمعات الإسلامية.
تكشف سيرة لالة زينب، ضمن حدود هذه الوقائع، أن الزوايا لم تكن فضاءات روحية معزولة عن المجتمع أو السياسة، بل مؤسسات تجمع بين التعليم والضيافة وإدارة الأراضي والعلاقات المحلية. كما تبرز أن انتقال المشيخة إليها أوجد تحدياً عملياً للبنية الذكورية السائدة، لأنها مارست القيادة من داخل مؤسسة معترف بها ومتصلة بشبكات اجتماعية واسعة. وقد حافظت حتى وفاتها سنة 1904 على موقعها في إدارة الزاوية، لتبقى تجربتها مثالاً على إمكان حضور النساء في مراكز القرار داخل بعض البنى الصوفية في المنطقة.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/98241601/...