في مراكش، يحمل عصفور صغير جدا اسما مفعما بالحنان: «لالة الطبيبة». وهذا الطائر، المعروف علميا باسم Emberiza sahari، بات اليوم يُصنَّف نوعا قائما بذاته، بعدما ظل لعقود يُعتبر مجرد نوع فرعي من نوعه الشقيق المعروف علميا باسم Emberiza striolata. وقد أكدت دراسات في علم الوراثة التطورية أُجريت على الدُّرّات السمراء الإفريقية أن السلالتين تطورتا بشكل منفصل عبر الزمن، وأن الفوارق الجينية والشكلية والصوتية بينهما كافية لتبرير هذا التصنيف المستقل.
هذا الطائر المستوطن يفضل المناطق الجافة والمواقع الآهلة بالسكان، وينتشر في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا، وكذلك في النطاق الساحلي الصحراوي جنوبا. وبحسب بطاقة التعريف الخاصة به على موقع eBird، فإنه يفضل بشكل خاص القرى والحدائق وجوار المباني، وغالبا ما يكون قليل الخوف من الإنسان.
وتُنسب هذه الألفة تحديدا إلى اللقب الذي حظي به الطائر في مراكش. فوفق رواية شفهية نقلها مراقبون محليون، كانت «لالة الطبيبة» تقصد محيط المنازل بحثا عن الطعام، في كنف سكان تعلقوا بصوتها وحضورها اليومي. ويؤكد أحد المرافق السياحية بالمدينة أن الاسم الدارج للطائر، والذي يُنطق «تبيبت»، مستوحى مباشرة من صوت تغريده. وتبقى هذه الرواية جزءا من الذاكرة الشفهية المحلية، لا حقيقة إثنوغرافية ثابتة علميا.
ورغم أن اسم «لالة الطبيبة» يربط الطائر ارتباطا وثيقا بمراكش في المخيال المحلي، فإن انتشاره الجغرافي لم يقتصر يوما على المدينة الحمراء. إذ توثق دراسات توسعه نحو شمال المغرب منذ ستينيات القرن الماضي، وصولا إلى طنجة وتطوان، فيما تشير أبحاث أحدث إلى استمرار هذا التوسع نحو مناطق أخرى من البلاد.
يجسد هذا الطائر نموذجا ناجحا للتعايش بين الحياة البرية والحياة الحضرية في المناطق القاحلة: فهو يستفيد من الموارد التي يوفرها الوسط البشري، ويتحمل بشكل لافت قرب المارة، بل يُشاهَد اليوم حتى داخل أكثر أحياء المدن العتيقة ازدحاما. وفي مراكش، تبقى «لالة الطبيبة» بالنسبة للكثيرين أحد الوجوه الصغيرة المجنّحة للمدينة الحمراء، ورمزا خفيا لعلاقة قديمة جمعت أهلها ببيئتهم الحية.
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/97844144...