كيف يمكن لإدراك عدم اليقين أن يعيد تشكيل السلوك الانتخابي؟


Rédigé le الأربعاء 27 ماي 2026 à 13:17 | Lu 1 commentaire(s)



تظهر دراسة ميدانية حديثة في ألمانيا أنّ الطريقة التي يتعامل بها الأفراد نفسياً مع «المجهول» ترتبط بمواقفهم من التنوع، وبميولهم للتصويت للأحزاب الشعبوية اليمينية، من دون أن يعني ذلك أنّ «الدماغ يحدد الصوت الانتخابي» بصورة حتمية ومباشرة.



انطلقت الدراسة التي أُنجزت قبيل الانتخابات الفيدرالية الألمانية المقررة في فبراير 2025 بعد انهيار الائتلاف الحاكم، في مناخ سياسي مضطرب طغت عليه الملفات المرتبطة بالهجرة واللاجئين. قاد البحث فريق من ETH زيورخ وجامعة غوته في فرانكفورت، واستند إلى فرضية أساسية مؤداها أن العلاقة بين عدم اليقين والتوجه نحو سياسات إقصائية ليست قدرية، بل تتأثر بالعدسات الذهنية التي ينظر عبرها الأفراد إلى المستقبل. وحرصت الباحثات على استدراج المشاركين إلى إعادة التفكير في معنى الغموض، ليس بوصفه تهديداً ينبغي الهروب منه، بل كمعطى يمكن تنظيمه وتحويله إلى مساحة للتجربة وإعادة البناء.

استند البحث إلى «نظرية تنظيم عدم اليقين» التي تفترض أن البشر أمام طريقين حين يواجهون مستقبلاً غامضاً: إما الانكفاء نحو خيارات محافظة تعِد بالاستقرار والنظام، أو الانفتاح على إمكانيات جديدة ولو حملت جانباً من المخاطرة. ولتفسير التباينات بين الأفراد، تبنّت الدراسة مفهوم «العقلية» بوصفها حزمة من المعتقدات الراسخة التي تحدد كيف تُستقبل المعلومات وكيف تُصاغ صورة العالم؛ وركزت خصوصاً على عقلية ترى في عدم اليقين مصدراً للفرص لا عائقاً ثابتاً. هذه المقاربة تفترض أن المشكلة ليست في وجود الغموض بحد ذاته، بل في تأويله: هل يُقرأ كفراغ مخيف يجب ملؤه سريعاً بأي نظام صارم، أم كحقل يمكن ترتيب حدوده وتطويعه؟

لتجريب هذه الفرضيات، استعان الفريق بعينة من 745 مواطناً ألمانياً جرى توزيعهم عشوائياً على مجموعتين: مجموعة خضعت لتدخل نفسي قصير عبر الإنترنت، وأخرى تُركت من دون أي تدخل لتشكل مجموعة ضابطة. تمثّل التدخل في عرض تقديمي مدته نحو سبع دقائق ونصف، مزج بين نصوص ورسوم وصور، وعرّف عدم اليقين باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة، غير مريح أحياناً، لكنه قابل للإدارة وضروري للنمو الشخصي والتطور المعرفي. واستشهد العرض بنتائج علمية تشير إلى قدرة الغموض المنظم على تنشيط الإبداع والذاكرة، كما قدّم سيرة مبسطة لستيف جوبز، مسلطاً الضوء على اختياره مساراً مهنياً غير مضمون النتائج، ثم تحويله لاحقاً إلى قصة نجاح بارزة في قطاع التكنولوجيا.

لم يكتف الباحثون بمخاطبة المشاركين بشكل أحادي، بل طلبوا منهم في نهاية العرض كتابة رسالة قصيرة لصديق أو قريب يشرحون فيها ما فهموه من المادة، وتطبيق هذا المنظور الجديد على موقف شخصي يعيشونه. الهدف من هذه الخطوة كان تثبيت العقلية الجديدة وجعلها جزءاً من السرد الذاتي للفرد، بما يتجاوز لحظة المشاهدة العابرة. واستمر جمع المعطيات ثلاثة أشهر بين ديسمبر 2024 ومارس 2025، حيث قيس تطور «عقلية عدم اليقين» خلال فترات زمنية متباعدة، إلى جانب قياس المواقف من التنوع في المجتمع وسلوك التصويت في الاقتراع الفيدرالي.

أظهرت النتائج أن التدخل القصير ترك أثراً معتبراً على المدى القريب؛ إذ تبنّى أفراد المجموعة التي شاهدت العرض بدرجة أعلى فكرة أن عدم اليقين يمكن أن يكون «مُمكّناً»، مقارنة بالمجموعة الضابطة. واستمر هذا الأثر مستقراً على الأقل لمدة شهر بعد التدخل، ما يشير إلى أن إعادة تأطير الغموض لا تتبدد فوراً عند انتهاء التجربة. وبالانتقال إلى المواقف الاجتماعية، رصد الباحثون أن من تبنّوا هذه العقلية أصبحوا أكثر ميلاً إلى اعتبار المجموعات المتنوعة أكثر إنتاجية، وأقل تحرجاً من التعامل مع أشخاص ينتمون إلى خلفيات مختلفة.

هذه التحولات النفسية لم تبق محصورة في نطاق التصورات النظرية عن الآخر، بل ارتبطت بمؤشرات أوسع تخص الاستعداد لتغيير البنى القائمة. فالمشاركون الذين طوروا مواقف إيجابية من التنوع أبدوا التزاماً أكبر بضرورة إحداث تغييرات مجتمعية، ما يعني استعداداً لقبول تعديلات على «الوضع القائم» بدلاً من التشبث بنماذج جامدة. وعند ربط هذه المؤشرات بالتصويت، برز أن الأفراد الذين تبنوا عقلية «عدم اليقين المُمكِّن» كانوا أقل ميلاً للإبلاغ عن تصويتهم لحزب «البديل من أجل ألمانيا» المصنف ضمن الأحزاب الشعبوية اليمينية.

التحليل الإحصائي الذي أجرته الباحثات بيّن أن أثر العرض لا ينتقل مباشرة من التدخل إلى صندوق الاقتراع، بل يمر عبر سلسلة من الحلقات النفسية. فالتدخل يعيد صياغة نظرة الفرد إلى عدم اليقين، هذه النظرة الجديدة تدعم مواقف أكثر إيجابية من التنوع، وهذه المواقف بدورها ترتبط بانخفاض احتمال دعم حزب شعبوي يميني. والأهم أن هذا المسار ظل قائماً حتى بعد ضبط التوجه السياسي العام للمشاركين، ما يعني أن تأثير التدخل لا يقتصر على الفئات ذات الميل الليبرالي المسبق، بل يتصل بالطريقة التي تُفهم بها الاختلافات الاجتماعية ذاتها.

في خلفية هذه النتائج تظهر قراءة أوسع لصعود الشعبوية اليمينية، بوصفه أحد تجليات الخوف من المجهول في مجتمعات تمر بمرحلة إعادة تركيب اقتصادي وثقافي. فالأحزاب ذات الخطاب الإقصائي تقدم عادة وعداً باستعادة نظام واضح المعالم وبناء حدود حادة بين «جماعة مفضلة» و«آخرين» يُحمَّلون مسؤولية الاضطراب، ما يمنح شعوراً سريعاً بالأمان الرمزي ولو على حساب التماسك الاجتماعي. الدراسة تقترح أن جزءاً من مقاومة هذه الموجة قد يمر عبر تمكين الأفراد من تنظيم ردود فعلهم إزاء الغموض بدلاً من مهاجمة مواقفهم السياسية بصورة مباشرة، بما يفتح المجال لمقاربات تربوية وإعلامية تشتغل على البنية الذهنية قبل الصراع الحزبي.

مع ذلك، تؤكد الباحثات أن للاستنتاجات حدوداً ينبغي مراعاتها، خصوصاً في الاستخدام الإعلامي أو السياسي. فبيانات التصويت اعتمدت على التصريح الذاتي، رغم أن توزيع الأصوات في العينة اقترب من نتائج الانتخابات الفعلية في ألمانيا، ما يقلل جزئياً من مخاطر التحيز في الإجابات. كما أن التجربة أجريت في سياق ثقافي معروف بارتفاع درجة «تجنب عدم اليقين» في مجالات عدة، ما قد يجعل أثر التدخل مختلفاً في مجتمعات أخرى أقل توتراً تجاه الغموض أو أكثر اعتياداً على التغيير.

إضافة إلى ذلك، تشير الدراسة إلى أن حجم الأثر كان متوسطاً؛ فالتدخل اقتصر على تمرين واحد قصير، ومن غير الواقعي توقع تغييرات جذرية في السلوك الانتخابي من تجربة معزولة. لذلك توصي المؤلفات بإجراء دراسات تكملية في بلدان مختلفة ومع تدخلات أكثر كثافة أو تكراراً، مع اختبار ما إذا كان هذا النوع من العقليات يمكن أن يؤثر أيضاً على المواقف من ملفات عالمية مثل التغير المناخي أو التحولات التكنولوجية، حيث يتداخل الغموض المعرفي مع رهانات اقتصادية وأمنية معقدة. في هذا الإطار، يشير المقال المنشور في PsyPost إلى أن العمل يفتح مساراً بحثياً جديداً يربط بين علم النفس السياسي واستراتيجيات تعزيز «مرونة ديمقراطية» قادرة على امتصاص صدمات التحولات الكبرى من دون انزلاق سريع نحو سياسات إقصائية.

 يبدو أن وسائل الإعلام ومنصات التثقيف السياسي تمتلك هامشاً أوسع للتدخل في كيفية تناول موضوعات عدم اليقين، من خلال نماذج سردية تسلط الضوء على إمكانيات التكيف والابتكار بدل الاكتفاء بتغذية مخاوف فقدان السيطرة. مثل هذه المقاربات قد تمنح الجمهور أدوات نفسية أفضل للتعامل مع فترات الاضطراب الانتخابي أو الاقتصادي، وتقلل من قابلية الانجذاب إلى رسائل تقدم حلولاً بسيطة لمشكلات مركبة. الدراسة الأصلية، المنشورة تحت عنوان “The Role of Uncertainty Mindsets in Shaping Diversity Attitudes and Their Downstream Effects on Commitment to Societal Change and Right-Wing Populist Voting”، تقدم إطاراً نظرياً ومنهجياً يمكن توظيفه في قراءات أوسع للسيكولوجيا السياسية المعاصرة.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96687918/-...


: في نفس القسم