كيف حوّل جون بول برامر فضوله إلى عادة قراءة مكثفة


الثلاثاء 14 يوليو/جويلية 2026 à 13:03 |



يروي الكاتب الأميركي جون بول برامر، في مقال شخصيّ صريح، رحلته نحو استعادة متعة القراءة المكثّفة. ينظر إلى عاداته قبل عام واحد فقط فيجدها بعيدة إلى حدّ يثير الدهشة، ويقرّ بأن القراءة المنتظمة حسّنت جودة حياته على نحو ملموس: صار أقلّ قلقًا، وباتت أفكاره أكثر صفاءً، وتحوّل التفكير نفسه إلى نشاط أكثر متعة.



«دماغي صار أفضل»: القراءة بوصفها راحة للذهن

يصف برامر الكتب بأنها وسيط ذو مكانة خاصّة، لأننا كائنات «نحوية» نخاطب أنفسنا بجُمَل كاملة لا بصور متقطّعة. ومع تكثيف زمن القراءة، يقول إنّ دماغه «صار أفضل» ببساطة: يقلّ القلق، ويصير الألم أقلّ غموضًا، ويغدو التفكير أوضح. من هذا الموقع يعلن أنه صار «مبشّرًا» بالقراءة، لا لأنها واجب، بل لِما لمسه فيها من منفعة مباشرة.


نوعان من الانتباه: «العضليّ» و«الخالص»

المحور النظري الأبرز في النصّ هو التمييز بين نوعين من الانتباه. الأول انتباه «عضليّ» نعرفه من المدرسة والجامعة، أي القدرة الإرادية على التركيز في نصّ أو مهمّة لفترة ممتدّة. والثاني انتباه «خالص» يذوب فيه الإحساس بالذات ويمرّ الزمن على نحو مختلف، كما يحدث في الغرق الكامل في القراءة أو التأمّل أو الصلاة. لا يدعو برامر إلى إلغاء الانتباه العضليّ، بل إلى استخدامه بوّابةً للوصول دوريًّا إلى تلك الحالة الثانية، حيث تتحقّق أقصى فاعلية للقراءة حين نبلغ عمق التفاعل مع النصّ بدل الاكتفاء بجهد متقطّع ومتوتّر.


المشكلة ليست في تراجع الانتباه بل في سوء توجيه الفضول

يطرح الكاتب فرضية لافتة: قد لا تكون أزمة العصر تراجعًا في القدرة على الانتباه بقدر ما هي سوء توجيه للفضول. فالقدرة على الانتباه لا تزال قائمة، لكنها تُستهلَك تحت تأثير منصّات تعيد تشكيل رغباتنا نحو محتوى شديد التسطّح والبهرجة. ويضرب مثلًا بالمقاطع المصوّرة الرائجة على الشبكات، التي تبتلع انتباهنا الخالص في موادّ لا تُضيف شيئًا إلى التجربة الفكرية، مشبّهًا هذا النمط من الاستهلاك بحال من يترك طفلًا فضوليًّا يتصرّف بلا رقابة.


الفضول «طفل» والانضباط «والد»

من هذه الصورة يعيد برامر تعريف العلاقة بين «الطفل» و«الوالد» داخل الذات: يبقى الفضول طفوليًّا، فوضويًّا، سريع الإنهاك، بينما يتجسّد دور «الوالد» في الانضباط والتمييز وتوجيه هذه الطاقة نحو موادّ أعمق وأبقى. غير أنّ الوالد، كما يوضّح، لا يقهر الطفل بل يحميه ويرشده، فيما تبقى طاقة الطفل هي التي تقود. ويستند في ذلك إلى عبارة للفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل وردت في إحدى رسائلها: «في القراءة، كما في غيرها، سعيتُ دائمًا إلى ممارسة الطاعة. وليس ثمّة ما هو أنفع للتقدّم الذهنيّ من ذلك؛ فأنا، قدر المستطاع، لا أقرأ إلا ما أشعر تجاهه بجوع في اللحظة التي تنتابني فيها الشهية إليه، وعندئذٍ لا أقرأ، بل آكل». بهذا يصير فعل القراءة أقرب إلى الأكل منه إلى الاستهلاك العابر للمعلومات، وتُربَط القراءة بالشهيّة لا بالواجب.


مسار تقوده منبّهات الفضول الصغيرة

لم يفرض برامر على نفسه برنامجًا صارمًا منذ البداية، بل استجاب لمنبّهات فضوله الصغيرة، متتبّعًا شبكة التأثيرات من كاتب إلى آخر. قادته مقالات ديفيد فوستر والاس غير الروائية إلى دونالد بارتلمي، ومنه إلى توماس بينشون، ثم إلى رغبة عامّة في توسيع دائرة قراءاته. ومن توصية صديق وصل إلى الروائية كلاريس ليسبكتور، ومنها إلى المتصوّفة — فايل والرومي وإيكهارت — ثم إلى الفلسفة، فدوستويفسكي الذي جسّر بين الفكر والرواية. هكذا تبيّن كيف تستطيع استجابة منهجية لفضول متكرّر أن تبني، في أشهر قليلة، مكتبة ذهنية تتجاوز الذوق الأول.


طقوس يومية تُبقي «حيّز المكتبة» حيًّا

على المستوى العمليّ، يشتري برامر الكتب باستمرار ويوزّعها على رفوف مختلفة كي يبقى كلّ رفّ «حيًّا»، ولا يُحمّل أيّ كتاب انتظار أن يكون «الكتاب الحاسم» في حياته، بل يتعامل مع النصوص موادَّ للتجربة تلبيةً لفضول اللحظة. في البداية كان يقرأ على طريقة «طائر الطنّان»، ينتقل بين الكتب ويتذوّق هذه الصفحة وتلك بلا خطّة صارمة، ثم يتّضح المسار تدريجيًّا حين يلتفت إلى الوراء كمتسلّق يتفحّص الطريق الذي قطعه. ولتثبيت الانتباه الخالص في يومه، يقرأ كلّ صباح قبل أيّ نشاط آخر، وكلّ مساء بعد إطفاء الشاشات، مع إضاءة مصباح واحد وتهيئة جوّ خاصّ لاستقبال لحظات التركيز العميق.


من عبادة «الكتاب العظيم» إلى الإقامة في التراث

مع مرور الوقت، يتحدّث الكاتب عن تجربة تكاد تكون روحية: يتلاشى حضور المؤلّفين الأفراد لصالح إحساس بتراث حيّ واحد، كأنّ الأدباء عبر العصور والثقافات ينهلون من مصدر متجدّد واحد. وحين تفقد «هالة» العبقرية الفردية بعض سلطتها، يصير همّه أقلّ تعلّقًا باكتشاف «الكتاب العظيم» وأكثر تركيزًا على الإقامة الطويلة داخل هذا التراث، وهو ما يخفّف شعور النقص أو التأخّر إزاء من سبقوه إلى أسماء بعينها.


أثر التحوّل: كتابة يوميّة و«نفور من التفاهة»

انعكس التحوّل على ممارسته اليومية: صار يدوّن باستمرار، ويكتب رسائل لأصدقائه، ويحتفظ بقلم في جيبه تعبيرًا عن جاهزية دائمة للكتابة — إذ يبدو له الكاتب الذي لا يقرأ أمرًا عبثيًّا، «فكيف تصنع النحلة عسلها من دون أن تزور الأزهار؟». تراجع استخدامه للإنترنت، والأهمّ أنّ نوعية حضوره الرقميّ تغيّرت؛ صار المحتوى العابر يبدو أبعد وأقلّ قوّة، حتى وهو ينظر إليه مباشرة. من ذلك وُلِد ما يسمّيه «رهاب التفاهة العابرة»: نفور طفيف، يكاد يكون جسديًّا، من الأفكار السريعة الرخيصة التي لا تستقرّ في الذاكرة.


يختم برامر بإعلاء قيمة دقيقة واحدة من الانتباه الخالص الموجَّه توجيهًا حسنًا، معتبرًا أنّ أثرها قد يفوق سنوات تُصرَف في انتباه مشدود نحو موادّ تافهة أو مرهِقة. إنها دعوة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الرغبة والانضباط، لا إلى مجرّد مضاعفة الجهد.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97202939/b...


: في نفس القسم