في وقت تتصاعد فيه المعركة على السرديات المتعلقة بالحرب في غزة، تشير تحقيقات صحفية وعقود موثقة إلى أن الحكومة الإسرائيلية تموّل حملة رقمية واسعة تهدف إلى التأثير في الطريقة التي تتحدث بها روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي عن النزاع. غير أن حجم هذا التأثير الفعلي على النماذج اللغوية لا يزال صعب القياس بشكل مستقل.
وفق تحقيق نشرته مؤسسة كوينسي (Quincy Institute)، يشرف براد بارسكيل، مدير حملة دونالد ترامب الانتخابية السابق، عبر شركته Clock Tower X، على عملية بتمويل من الحكومة الإسرائيلية تُقدَّر بـ46.5 مليون دولار. ومن بين الأهداف الواردة في العقود إنشاء "مواقع ومحتوى" بهدف توجيه نتائج المحادثات مع النماذج التوليدية. ويقوم هذا المخطط على مئات المقالات التي ينشرها شبكة من المواقع المؤيدة لإسرائيل، والتي تحظى بجمهور بشري محدود ظاهريًا، إذ تستهدف بالأساس الفهرسة ومجموعات البيانات وواجهات المحادثة أكثر من القراء التقليديين.
يقترب هذا الأسلوب مما بات يُعرف بـ"تحسين المحرك التوليدي" (Generative Engine Optimization)، أي إنتاج صفحات شديدة التنظيم والتكرار، ومصمَّمة دلاليًا لتُلتقط من قبل محركات البحث، أو أنظمة الاسترجاع المعزز، أو بصورة أقل مباشرة، من مجموعات البيانات المستخدمة في تدريب النماذج وتقييمها. غير أنه ينبغي التمييز بين ثلاث آليات كثيرًا ما يُخلط بينها: الفهرسة على الإنترنت، التي تتيح لروبوت يبحث في الوقت الفعلي أن يستشهد بموقع مفهرس؛ والاسترجاع المعزز المدمج في بعض المساعدات، الذي يوجّه المستندات المختارة قبل توليد الإجابة؛ وتدريب النموذج نفسه، وهو الأكثر غموضًا نظرًا لتعقيد دورات التدريب ومجموعات البيانات والمرشحات المستخدمة.
ولا يوجد حتى الآن ما يثبت علنًا أن الحكومة الإسرائيلية أبرمت اتفاقًا مباشرًا مع شركات مثل OpenAI أو Anthropic أو Google أو Microsoft أو Perplexity لتعديل نماذجها. ويبدو أن العملية تستغل بالأحرى الانفتاح البنيوي لشبكة الإنترنت واعتماد بعض المساعدات الذكية على البحث المباشر على الويب.
وقد صرّح فريق بارسكيل لموقع Axios بأنه يلاحظ نتائج، لكنه لم ينشر بيانات أو منهجية اختبار أو قياسًا سببيًا يتيح عزل أثر شبكته عن باقي العوامل. لذا فإن القول بأن "روبوتات الدردشة خضعت للتلاعب" يبقى تعميمًا مفرطًا في الحسم. الصياغة الأدق هي أن محتوى ممولًا ضمن هذه الحملة قد رُصد أو استُشهد به من قبل بعض المساعدات في اختبارات نقلتها الصحافة، وهو ما يثبت إمكانية الظهور لا دليلًا كاملاً على تعديل منهجي للنماذج. وتجدر الإشارة إلى أن إحدى المحاولات المماثلة على منصة X انقلبت على مصمّميها، بعدما بدأ روبوت دردشة صُمم للدفاع عن الموقف الإسرائيلي بتقديم إجابات مؤيدة للفلسطينيين.
تكمن أهمية هذه القضية أقل في كونها دليلاً على سيطرة مباشرة على الذكاء الاصطناعي، وأكثر في كونها مؤشرًا على جبهة جديدة للدعاية المعلوماتية: فالمعركة لم تعد تدور فقط حول Google أو TikTok أو ويكيبيديا، بل حول المصادر التي تختارها واجهات المحادثة وتلخّصها وتمنحها المشروعية. وبالنسبة لغرف الأخبار والقراء على حد سواء، يظل تتبّع مصادر الاستشهاد هو المعيار الحاسم: عند سؤال أي مساعد ذكاء اصطناعي عن غزة أو إسرائيل أو العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، من المفيد تفحّص النطاقات المذكورة في الإجابة، والتحقق من تمويلها وتاريخها التحريري وشبكة روابطها. فالمساعدات التي تعرض مصادرها تتيح هذا التحقق، أما التي لا تعرضها فتُعرّض المستخدم لروايات يصعب تدقيقها.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...










