في حواره الشهير مع الكاتب الفرنسي جان كلود كاريير، شبّه أمبرتو إيكو (1932-2016) الكتاب بالملعقة والمطرقة والعجلة: أدوات بلغت كمالها منذ اختُرعت، فلا يمكن تحسينها. ولم تكن علاقة عالم السيميائيات الإيطالي، أحد أشهر مثقفي القرن العشرين وأغزرهم إنتاجاً، بمكتبته الضخمة أقلّ إثارة من أعماله نفسها. وتروي مجلة «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية، نقلاً عن تحقيق للصحافية أليس فاكيني في موقع «إيل بوست» الميلاني، كيف واجه القائمون على «مكتبة إيكو» الجديدة في بولونيا تحدياً غير مألوف: إعادة بناء الترتيب الشخصي الدقيق الذي رتّب به إيكو كتبه، وهو ترتيب يبدو منطقياً تماماً في ذهن صاحبه، لكنه عصيّ على فهم أي زائر غريب.
في مطلع التسعينيات، كان إيكو يبحث عن بيت أوسع يتّسع لكتبه، فوجد في ميلانو، قرب قلعة آل سفورزا في ساحة «بياتسا كاستيلو»، شقة فسيحة متصلة الغرف انتقل إليها مع زوجته رينات رامغه، المصمّمة الغرافيكية والكاتبة ذات الأصل الألماني. وقبل أن يسكنها، أمر بتدعيم أرضياتها لتتحمّل ثقل الرفوف.
وبعد رحيله في 19 فبراير 2016 عن أربعة وثمانين عاماً، كان على ورثته أن يقرّروا مصير هذا الإرث الهائل. ففي عام 2018 اشترت الدولة الإيطالية الكتب القديمة، وعددها نحو 1300 مجلد، وأودعتها مكتبة بريرا الوطنية في ميلانو، بينما آلت الكتب الحديثة، أي كتب القرن العشرين، إلى جامعة بولونيا التي درّس فيها إيكو السيميائيات أكثر من ثلاثة عقود حتى عام 2007. وأرادت الجامعة من المكتبة الجديدة أن تنقل إلى الجمهور طريقة عمله ومصادره واهتماماته، وشبكة العلاقات الفكرية التي غذّت مقالاته ورواياته وكتاباته الصحفية.
وقع الاختيار على قصر بوجّي، المقرّ السابق لرئاسة الجامعة في المركز التاريخي لبولونيا، وتحديداً على جناحه الذي يعود إلى القرن العشرين، بينما يرجع المبنى الأصلي إلى القرن السادس عشر. وكانت تشغل هذا الجناح مكاتب إدارية وشقة أمين المكتبة الجامعية. وبعد إخلائه، شُيّدت فيه طبقة وسطى معلّقة تحيط بها ممرات على غرار المكتبة الأصلية، ووُسّعت الأبواب ليبدو المكان فضاءً واحداً يُعبر بلا انقطاع، كما كان الحال في بيت إيكو حيث تتصل الغرف كلها ببعضها، بل صُنعت الرفوف نفسها مطابقة للأصل.
«قانون الجار الطيب»غير أن التحدي الأكبر تمثّل في ترتيب الكتب. فإيكو لم يرتّب مكتبته ترتيباً أبجدياً، باستثناء جزء من قسم الأدب، بل وفق معيار منطقي وموضوعي يعكس مسار تفكيره: يتجاور الكتاب مع غيره كلما تقارب موضوعاهما أو تقاطع مضمونهما، على مبدأ «قانون الجار الطيب» الذي صاغه مؤرخ الفن الألماني آبي فاربورغ (1866-1929)، ومفاده أن الكتاب الذي يحتاجه القارئ ليس بالضرورة الكتاب الذي يبحث عنه، بل الكتاب المجاور له على الرف. وهي فكرة تذكّر بعلاقة بورخيس بالمكتبة، حيث يقود النظام الصارم إلى المصادفة السعيدة.
ولم يقتصر هذا التجاور عند إيكو على الصفوف الأفقية، بل امتد إلى الأعمدة أيضاً: فكل كتاب «يحاور» جيرانه على الجانبين، ومن فوقه ومن تحته، ولهذا جاءت الرفوف متلاصقة تسمح بتصفّح المجلدات بلا انقطاع. ووضع إيكو في مستوى النظر الكتب الأهم عنده، كنصوص وليم الأوكامي وتوما الأكويني التي استلهم منها روايته الأشهر «اسم الوردة» (1980)، وعرض بعضها بغلافه الأمامي لا بكعبه. وبفضل هذا التنظيم لم يكن في حاجة إلى فهرس، إذ كان يعرف موضع كل كتاب يبحث عنه.
لكن فضاءات المكتبة الجديدة تختلف كثيراً عن بيت ميلانو: ثماني قاعات على طابقين، بلا ممر يصل بينها، ما جعل استنساخ الترتيب الأصلي مهمة شاقة. وتروي إيلاريا بورتولوتي، مسؤولة مشروع «مكتبة إيكو»، أن الفريق درس ترتيب الكتب شهوراً طويلة قبل أن ينجح في إيجاد موضع لكل شيء، كما في لعبة «تتريس».
وكان قسم الأدب الأصعب على الإطلاق. ففي بيت إيكو، اصطفّت آلاف الروايات وفق تسلسلها الزمني على امتداد ممر طوله ستة عشر متراً. أما في بولونيا، فالقاعة المخصصة لها خماسية الشكل، فتحوّل الترتيب الخطي إلى ترتيب دائري: يستطيع الزائر الذي يسير في اتجاه عقارب الساعة أن يعبر تاريخ الأدب من القرن الثالث عشر إلى القرن العشرين. وعمودياً، يقابل كل صف بلداً بعينه: الأدب الإنجليزي في الأعلى، ثم الفرنسي، فالإيطالي والألماني، والروسي في الأسفل.
وبعد ضبط التصميم النهائي، نُقلت الكتب إلى مقرها الجديد في ربيع 2026 على يد شركة متخصصة في نقل الأرشيفات، تفادياً لأي خطأ: أُفرغ كل رف كتاباً كتاباً، ثم أُعيد ترتيبه بالنظام نفسه في بولونيا. وتقول بورتولوتي إن الأجيال المقبلة ستدرس إيكو بعد قرنين كما يُدرس اليوم أليساندرو مانزوني، أحد أعلام الأدب الإيطالي في القرن التاسع عشر، وإن ضياع ترتيب كتبه كان سيعني فقدان خريطة ضخمة لفكره.
افتُتحت المكتبة في 1 يوليو 2026، وباتت مفتوحة للجمهور بموعد مسبق، يمكن خلاله الاطلاع على الكتب دون استعارتها. وتضم حالياً نحو 32500 كتاب، لم يُجرد منها سوى 2500. وما يزال آلاف المجلدات الأخرى في طريقها إليها من بيت إيكو الريفي في مونتي تشيرنيوني بإقليم ماركي وسط إيطاليا، فضلاً عن أرشيفه الخاص من مخطوطات ومراسلات مع أسماء بارزة في الثقافة والسياسة، من نعوم تشومسكي إلى ياسر عرفات وفرانسوا ميتران. ويتطلب إتمام فهرسة الكتب والوثائق الشخصية عامين آخرين على الأقل.
ذائقة النادر والغريبإلى جانب الأدب، تضم الأقسام الأوفر عدداً كتب الفلسفة وتاريخ العصور الوسطى، وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي، والقصص المصورة وتاريخ الفن وعلوم الاتصال، بل خُصصت رفوف لكتب التزييف والمرايا، وهما موضوعان يتكرران في أعمال إيكو. ومعظم الكتب بالإيطالية، وبينها مؤلفات باللاتينية واليونانية والفرنسية والإسبانية والإنجليزية والألمانية والروسية. وكان إيكو يجمع المجلات أيضاً، كمجلة القصص المصورة «لينوس» التي احتفظ بأعدادها كلها من عام 1965 حتى مطلع الثمانينيات، ويقدّمه المقال بوصفه أحد مؤسسيها.
وبين صفحات الكتب صور ضوئية وملاحظات قراءة وأوراق لاصقة، وكثير منها يحمل تعليقات بخط اليد وسطوراً مخطوطاً تحتها. وتقول بورتولوتي إن إيكو ربما لم يقرأ كل هذه الكتب، لكن مجلدات أقسام بعينها مشروحة كلها. وتضم المكتبة كذلك عناوين غريبة، كدراسة عن الكلاب في العصور الوسطى، ووصفات طبخ مستوحاة من مجموعة «أهالي دبلن» لجيمس جويس، وإعادة بناء لحكاية ملكة «بياض الثلج». وكان إيكو مولعاً بالنسخ المطابقة للكتب القديمة، ومنها نسخة كبيرة من إنجيل غوتنبرغ، أول كتاب طُبع في أوروبا نحو عام 1454، معروضة قرب مدخل المكتبة.
أما القاعة الأخيرة فتجمع كتب إيكو وما كُتب عنه: نحو مئتي دراسة وسبع روايات، تبلغ مع الطبعات والترجمات المختلفة 2200 مجلد، إلى جانب نحو 600 دراسة وأطروحة دكتوراه عن أعماله. وتختم بورتولوتي بأن إيكو كان مثقفاً لا تعوزه السخرية ولا السخرية من الذات، ولم يكن يخشى النقد ولا الرسوم الكاريكاتورية، وخير شاهد على ذلك نسخة روسية مقرصنة من «اسم الوردة» تداولها القراء سراً بوصفها رواية إيروتيكية.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
خورخي لويس بورخيس وفن القراءة بين المصادفة والأسطورة «الكتب في حياتي»… سيرة قارئ تتخفّى في مكتبة من عشرين ألف كتاب هل تعيش البشرية نهاية عصر القراءة؟المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98563663/u...