☰

كروغمان: هل أصبحت فرنسا «أكبر من أن تُنقَذ»؟


الخميس 22 أكتوبر 2026 à 19:56 |



في مقال نشره على منصته في «سابستاك» بتاريخ 08/10/2026، يلاحظ الاقتصادي الأمريكي بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد عام 2008، أن الأسواق المالية باتت فجأة تنظر إلى فرنسا بوصفها «الرجل المريض» اقتصادياً في العالم الغربي. فرغم ارتفاع أسعار الفائدة في كل مكان، كانت قفزة عوائد السندات الحكومية الفرنسية خلال الشهر الأخير لافتة بشكل خاص، حتى صارت أعلى من نظيرتها الإيطالية، فيما ارتفعت كلفة عقود التأمين ضد تخلّف الدولة الفرنسية عن السداد لأجل خمس سنوات، وهو مؤشر يعكس تنامي قلق المستثمرين.



ويتزامن هذا التوتر المالي، بحسب الكاتب، مع موجة احتجاجات طلابية واسعة تخلّلتها أعمال عنف أحياناً، ومع تصدّر مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف، استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الرئاسية لعام 2027. غير أن كروغمان ينبّه قرّاءه إلى ما يسمّيه «التفكير المدفوع أيديولوجياً»: فخلال أزمة اليورو قبل نحو خمسة عشر عاماً، دأبت الصحافة المالية الناطقة بالإنجليزية على التبشير بسقوط فرنسا بعد اليونان دون أن تسند البيانات ذلك، لأن ضرائبها المرتفعة ودولة الرعاية السخية فيها كانت تزعج المحافظين. وفي المقابل، يقرّ بأن التقدميين الأمريكيين أمثاله قد يميلون إلى التهوين من مشكلات فرنسا ردّاً على هذا التحيّز، ولذلك يحاول هذه المرة أن يكون موضوعياً.


وجوهر المشكلة في نظر كروغمان أن فرنسا تسير في مسار مالي غير مستدام: دين مرتفع أصلاً قياساً إلى الناتج الداخلي، وعجز كبير في الميزانية رغم غياب أي ظرف استثنائي كحرب أو ركود حاد أو جائحة، وشيخوخة سكانية ستجعل كلفة المعاشات تنمو أسرع من الإيرادات. ويعترف بأن هذه الصورة تنطبق على اقتصادات متقدمة أخرى، بما فيها الولايات المتحدة، لكنه يرى أن فرنسا تنفرد بعجزها المزمن عن التعامل بواقعية مع ملف التقاعد. فالسن القانوني للتقاعد بمعاش كامل لم يكن يتجاوز 62 عاماً في 2023، مقابل 67 عاماً في الدنمارك والولايات المتحدة، كما أن متوسط السن الفعلي للتقاعد كان الأدنى في أوروبا الغربية. أما الإصلاح الذي باشرته حكومة ماكرون لرفع هذا السن تدريجياً إلى 64 عاماً، فقد جُمِّد بفعل معارضة أقصى اليمين وأقصى اليسار إلى ما بعد الانتخابات، ليتوقف عند 62 عاماً وتسعة أشهر، في حين تعهّدت لوبان بإعادته إلى 62 عاماً. ويضيف الكاتب أن هذا الضغط على المالية العامة انعكس تقليصاً في إنفاق مجالات أخرى، في مقدمتها التعليم، معتبراً أن غضب الطلاب ليس مفاجئاً.


ويكمن الخطر الأكبر، وفق التحليل، في انتماء فرنسا إلى منطقة اليورو: فالولايات المتحدة لا يمكن أن تنفد منها الدولارات لأنها تطبعها، أما فرنسا فلا تطبع اليورو. ويستعيد كروغمان سيناريو 2009-2012 الذي بدأ في اليونان ثم امتد إلى البرتغال وإسبانيا وإيطاليا: يتوقف المستثمرون عن شراء سندات الدولة، فيتصاعد الخوف من التخلّف عن السداد، فتهرب رؤوس الأموال أكثر وترتفع الفائدة، في حلقة مفرغة. وقد انتهت تلك الأزمة عام 2012 بعبارة ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك، بأنه سيفعل «كل ما يلزم» لإنقاذ اليورو. لكن الكاتب يشكّك في تكرار ذلك مع فرنسا: فدول الجنوب كانت تطبّق آنذاك تقشفاً قاسياً، يراه مبالغاً فيه اقتصادياً، جعلها «تستحق» الإنقاذ سياسياً، بينما تبتعد فرنسا اليوم عن الانضباط المالي، ما سيثير معارضة الدول الدائنة وفي مقدمتها ألمانيا. ثم إن حجمها بوصفها ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو يجعل إنقاذها باهظ الكلفة، حتى إنها ربما انتقلت من خانة «أكبر من أن تُترك لتسقط» إلى خانة «أكبر من أن تُنقَذ».


ومع ذلك، يلفت كروغمان إلى أن الأسواق لا تزال تقدّر احتمال تخلّف فرنسا عن السداد خلال السنوات الخمس المقبلة بنحو 1.2 في المئة فقط، وهي نسبة يراها شخصياً أقل من الواقع. ويعدّد سيناريوهات قد تبدّد المخاوف: عودة قوية لتيار الوسط، أو أن تحكم لوبان بقدر من الاعتدال والواقعية كما فعلت جورجيا ميلوني في إيطاليا، أو أن تُسيء الحكم فتخسر رصيدها السياسي سريعاً، أو أن يتدخل البنك المركزي الأوروبي رغم كل شيء. ويختم بأسفه لأن التفاؤل بشأن فرنسا يتطلب اليوم قدراً كبيراً من الأمل. ويبقى المقال قراءة اقتصادية لكاتب بعينه، إذ يرى اقتصاديون آخرون أن معالجة الدين الفرنسي لا تمرّ بالضرورة عبر التقشف وحده.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98453820/k...


: في نفس القسم