تكشف دراسة منشورة حديثاً في مجلة "ساينس" أن كتاكيت الدجاج في ساعاتها الأولى قادرة على الربط بين أصوات مجردة وأشكال بصرية بطريقة تشبه ما يفعله البشر في ما يعرف بتجربة "بوْبا – كيكي"، وهو ما يضع علامة استفهام على إحدى الفرضيات البارزة حول الدور المميز للعقل البشري في نشأة اللغة. فقد أظهر البحث أن هذه الطيور، التي لم تتعرض بعد لتجارب حسية معقدة، تميل إلى اختيار شكل مستدير عند سماع مقطع صوتي معين، وشكل حاد الزوايا عند سماع مقطع آخر، بصورة متسقة تذكر بما يسجله علماء اللغة الإدراكية لدى الأطفال والراشدين.
تعود تجربة "بوْبا – كيكي" إلى ملاحظة متكررة لدى البشر مفادها أن معظم الأفراد، عبر لغات وثقافات مختلفة، ينسبون كلمة مثل "بوْبا" إلى شكل مستدير ناعم، بينما تبدو كلمة "كيكي" أنسب لشكل مسنن حاد الزوايا. استندت بعض نظريات أصل اللغة إلى هذه الملاحظة باعتبارها نموذجاً لما يسمى "الرمزية الصوتية"، أي وجود صلات غير اعتباطية بين المبنى الصوتي للكلمة وما تدل عليه من معنى أو صورة. على هذا الأساس، طُرح تصور يرى أن أسلاف البشر ربما بنوا مفرداتهم الأولى على روابط حدسية بين الأصوات والخصائص المحسوسة لأشياء العالم، قبل أن تتعقد الأنظمة اللغوية وتبتعد تدريجياً عن هذه الصلات المباشرة.
الدراسة الجديدة، التي أعدّتها عالمة النفس المقارن ماريا لوكونسول من جامعة بادوفا وفريقها، اختارت كتاكيت الدجاج المنزلية بوصفها نموذجاً يسمح بالتحكم تقريباً في مجمل الخبرة السابقة على التجربة. فهذه الفصيلة توصف بأنها "مبكرة النضج"، إذ تستطيع الحركة واستكشاف محيطها بعد ساعات من الفقس، ما يتيح للباحثين اختبار قدراتها الإدراكية وهي لا تزال في طور أولي جداً من الحياة.
وُضع الكتكوت بعد الفقس تحت رقابة مشددة في بيئة خاضعة للضبط، ثم عُرض عليه لوحان أماميان، يحمل أحدهما شكلاً مستديراً قريباً من زهرة مبسطة، ويحمل الآخر شكلاً غير منتظم حاد الزوايا يشبه انفجاراً كرتونياً. في أثناء ذلك، كانت تُبث من مكبر صوت مقاطع بشرية تنطق إما "بوْبا" وإما "كيكي"، بينما يسجل الفريق البحثي أي اللوحين يتجه إليه الكتكوت أولاً والزمن الذي يقضيه في استكشاف كل منهما.
أظهرت النتائج أن نحو ثمانين في المئة من الكتاكيت التي عُرض عليها المقطع "بوْبا" اتجهت أولاً إلى الشكل المستدير، وقضت في المتوسط أكثر من ثلاث دقائق في محيطه، مقابل أقل من دقيقة واحدة قرب الشكل المسنن. وعندما استُبدل المقطع بـ"كيكي"، انعكس الميل؛ إذ فضّل معظم الكتاكيت شكل الزوايا الحادة على الشكل الدائري. وتكرر هذا النمط مع كتاكيت في عمر يوم واحد وثلاثة أيام، ما عزز لدى الباحثين قناعة بأن السلوك ليس نتاج تعلّم سريع داخل المختبر، بل يعبر عن استعداد إدراكي سابق.
الأهمية المركزية لهذه النتائج أنها تمت على كائنات لا تمتلك جهازاً صوتياً يسمح بنطق المقاطع المستخدمة، ما يصعب معه تفسير الظاهرة بالاستناد إلى حركات الفم أو الشفتين كما افترضت بعض التفسيرات البشرية لتأثير "بوْبا – كيكي". فالدجاج لا يجرب الإحساس الحركي المصاحب لنطق الحرفين "ب" و"ك" على النحو الذي يربط بين استدارة الشفتين في الأولى واندفاعة اللسان في الثانية، ومع ذلك يبدي توافقاً مع البشر في الربط بين الصوت والشكل.
لهذا يميل أصحاب الدراسة إلى قراءة الظاهرة على أنها تعبير عن آلية أعمق للمواءمة بين المعلومات السمعية والبصرية، قد تمتد إلى أنواع أخرى من الكائنات. وتشير الورقة المنشورة في "ساينس" إلى أن تجارب سابقة على إنسان الغاب والشمبانزي في عامي 2019 و2022 لم تسجل النجاح نفسه في اختبار "بوْبا – كيكي"، ما جعل كثيرين آنذاك يميلون إلى اعتبارها سمة حصرية تقريباً للبشر ومرتبطة بقدرتهم على تطوير لغة معقدة. ظهور هذا النمط لدى الكتاكيت، على النقيض، يوحي بأن الجذر الإدراكي للظاهرة لا يرتبط مباشرة بالبنى اللغوية العليا، بل بآلية أشمل لتطابق الأبعاد بين الحواس.
تستحضر الدراسة أيضاً عملاً سابقاً أُنجز عام 2022 وأظهر أن البشر في مجتمعات متعددة، ومع أنظمة كتابة متباينة، يميلون رغم ذلك إلى نمط متشابه من ربط "بوْبا" بما هو مستدير و"كيكي" بما هو حاد. كما أن تجارب على رُضّع لم يتعلموا الكلام بعد كشفت عن تفضيل مشابه، ما شجع على اعتبار التأثير تجلياً مبكراً لآلية فطرية لدى الإنسان. غير أن إدخال كائن غير لغوي مثل الكتكوت في هذه الصورة يدفع بعض الباحثين المشاركين إلى القول إن الاهتمام النظري ينبغي أن ينتقل من ربط الظاهرة بأصل اللغة إلى بحث جذورها التطورية الأقدم.
يفتح هذا التوجه الباب أمام تفسير بديل يربط بين أنماط الأصوات والخصائص الفيزيائية للأجسام نفسها. فالأجسام المستديرة حين ترتطم بالأرض أو تتدحرج غالباً ما تنتج أصواتاً متصلة منخفضة التردد نسبياً، في حين أن الأجسام ذات الزوايا قد تولد أصواتاً أكثر حدة وتقطعاً، ما قد يجعل الربط بين نوع المقطع الصوتي وطبيعة الشكل أداة أولية لمساعدة الكائن الوليد على تصنيف محيطه بسرعة، بحثاً عن الغذاء أو تحاشياً لمصادر الخطر. في هذا المنظور، يغدو تأثير "بوْبا – كيكي" جزءاً من منظومة أوسع من الآليات الحسية التي سبقت ظهور اللغة، واستفاد منها الإنسان لاحقاً في بناء روابط رمزية أكثر تعقيداً.
مع ذلك لا تنفي الدراسة احتمال أن تكون الظاهرة قد ساهمت بشكل ما في تشكل اللغة عند البشر، إلى جانب قدرات أخرى تتصل بالذاكرة والتجريد والتركيب النحوي. لكنها تميل إلى وضع هذه المساهمة المحتملة داخل لوحة أكبر، تُرى فيها اللغة كانبثاق متدرج من قدرات إدراكية موزعة عبر أنواع متعددة، لا كطفرة معزولة انفرد بها الإنسان. وتختتم الباحثة الرئيسة تصريحها بالتذكير بأن خصوصية اللغة البشرية لا تستلزم أن تكون مبنية كلياً على قدرات لا يشاركنا فيها أي كائن آخر، بل يمكن أن تنبثق من تضافر مواهب معرفية عميقة الجذور في سجل التطور.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97241339/b...

الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان حول أزمة الطاقة
