يعرض غيوم كالافا، في مقدمة ملف نشرته مجلة «الحوليات: التاريخ والعلوم الاجتماعية»، مشروع المؤرخة جوسلين دخليا في كتابها الثلاثي «الحريم والسلاطين»، باعتباره دراسة واسعة النطاق تعيد فحص مفاهيم الحريم والسراي والجنايسي، وصلتها بتاريخ السلطة في المجتمعات الإسلامية. ويتألف العمل الصادر عن منشورات أناشارسيس سنة 2024 من ثلاثة مجلدات تتجاوز ألفي صفحة، وتغطي قرابة سبعة قرون، مستندة إلى مادة بصرية ووثائقية واسعة.
ويرى كالافا أن أهمية هذا المشروع لا تنحصر في حجمه، بل ترتبط بالمسعى الفكري الذي يقترحه لإعادة النظر في الكلمات والصور والتصنيفات التي أسهمت في تشكيل التصورات التاريخية عن المجتمعات الإسلامية. فالكتاب لا يتعامل مع الحريم بوصفه مؤسسة ثابتة عابرة للعصور، بل يدرس الكيفية التي تشكل بها هذا المفهوم تدريجيا من خلال تحولات لغوية وترجمات غير دقيقة وتداولات معرفية وتغيرات سياسية واستعمالات متعاقبة.
ثلاثة أزمنة بثلاث مفرداتتنقسم الدراسة إلى ثلاثة أزمنة كبرى تتبع تحول المفردات نفسها. ففي المجلد الأول، «زمن الجنايسي»، تعود دخليا إلى العصور الوسيطة، قبل أن يترسخ لفظ الحريم بوصفه أداة تفسيرية. وتعتمد على الأخبار العربية والنصوص الفقهية والروايات السياسية لتتبع فضاءات القصور والبيوت المرموقة، حيث تظهر النساء فاعلات في تدبير الشأن السياسي، ضمن علاقات لم تكن فيها تصنيفات الجنس والمكانة والقرابة مستقرة بالمعنى الذي ستكتسبه لاحقا.
أما المجلد الثاني، «زمن السرايا»، فيتناول الأشكال العملية للحكم في العصر الحديث، انطلاقا من المغرب السعدي ثم خلال حكم السلطان مولاي إسماعيل بين 1672 و1727. ويقدم السراي باعتباره جزءا مؤثرا في آليات المخزن، تتشكل داخله مراتب النفوذ وشبكات الولاء والوساطات السياسية. كما يدرس موقع الخصيان والخدم والعبيد، ولا سيما القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، في انتظام العمل السلطوي. ويفيد العرض بأن الصور الأوروبية عن الاستبداد أخذت تتغذى تدريجيا من تمثلات هذا العالم القصري خلال عصر الأنوار.
ويتناول المجلد الثالث، «زمن الحريم»، المرحلة الممتدة من منتصف القرن الثامن عشر إلى بدايات القرن العشرين، عندما صار الحريم مفهوما مركزيا في المعارف الأوروبية وفي خطاب الهيمنة الاستعمارية. وتتابع الدراسة دور الرحالة والدبلوماسيين والأطباء والمستشرقين والرسامين والإداريين الاستعماريين في تحويل الحريم إلى رمز للاستبداد الإسلامي ولتصورات محددة عن أوضاع النساء في الإسلام. وفي المقابل، تستعيد دخليا الممارسات الاجتماعية والسياسية التي حجبتها هذه الصور، من خلال تتبع تحولات البيوت السلطانية وعلاقات الجندر وأشكال الحكم في زمن الإصلاحات والاحتلال الاستعماري.
ويحتل المغرب موقعا محوريا في هذا البحث، لا باعتباره حالة منفصلة عن محيطها، بل بوصفه نقطة رصد تسمح بتتبع انتقال الأفكار والممارسات بين المغرب الكبير والبحر المتوسط والصحراء والدولة العثمانية ومجالات أخرى. ومن هذا المنظور، لا يقيس الكتاب مسافة مفترضة بين أوروبا وشمال إفريقيا، بل يبرز العلاقات المتبادلة والتاريخ المشترك ومناطق التماس التي صاغت المجالين.
ويخلص كالافا إلى أن العمل يوسّع دائرة الفاعلين في تاريخ السلطة، بإبراز أدوار النساء والخصيان وسكان البيوت الأميرية، ويقترح إعادة قراءة الوثائق المعروفة بأسئلة مختلفة. كما يلفت إلى أن ملف المجلة يضم قراءات لمؤرخين وباحثين يرون في الكتاب مساهمة في تفكيك التصورات التي جعلت الحريم والاستبداد الشرقي إطارين جاهزين لفهم المجتمعات الإسلامية، مع الحفاظ على دراسة علاقات الهيمنة والعنف والفوارق الجندرية ضمن سياقاتها التاريخية الخاصة.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
الأندلس التي لم ترحل: كيف تنجو ذاكرتها في طقوس إسبانية يوميةالمصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98253592/a...