قنصلية أميركية جديدة في قلب كازا المالية


Rédigé le الاثنين 4 ماي 2026 à 14:38 | Lu 3 commentaire(s)




بعد خمسة عشر عاماً من التفكير والتخطيط، دشّنت الولايات المتحدة مقرّ قنصليتها العامة الجديد في حي كازابلانكا فايننس سيتي، على مساحة تقارب ثلاثة هكتارات داخل قطب كازا أنفا، في مجمّع دبلوماسي أنجزت كلفته الإجمالية بما يفوق 350 مليون دولار، ليصبح من بين أكبر الاستثمارات القنصلية الأميركية في شمال أفريقيا والعالم العربي. جاء اختيار هذا الموقع نتيجة مسار طويل من البحث عن فضاء يستجيب للاشتراطات الأمنية والوظيفية الحديثة، بعيداً عن إكراهات المقر التاريخي المطل على جادة مكتظة في قلب العاصمة الاقتصادية.



المجمّع الجديد شُيّد على أرض وضعتها رهن إشارة الجانب الأميركي وكالة تهيئة وتطوير أنفا، التابعة لصندوق الإيداع والتدبير، في قلب مشروع إعادة تأهيل مطار أنفا السابق وتحويله إلى قطب حضري ومالي. ويضم المقر مبنى رئيسياً للمكاتب، وملحقة دعم تقني ولوجستي، وأجنحة مخصّصة لولوج الزوار ولمركز فرز البريد، إلى جانب مرافق مهيأة لوحدات حراسة مشاة البحرية الأميركية، ومسبح وموقف سيارات تحت أرضي، في تكوين يعكس مقاربة تجمع بين الوظيفة الأمنية واعتبارات الاستقبال والخدمات القنصلية. وقد انتقل مركز دار أمريكا الثقافي، الذي كان يستقر في حي غوتييه، إلى هذا المجمع، بما يمنح الأنشطة الثقافية والتعليمية الأميركية في الدار البيضاء بنية موحدة ومتوسعة.

حفل الافتتاح عرف حضور شخصيات مغربية وأميركية رفيعة، من بينها المستشار الملكي فؤاد علي الهمة، ووزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، ووزير الإدماج الاقتصادي يونس السكوري، ووالي جهة الدار البيضاء–سطات محمد مهيدية، ورئيس مجلس الجهة عبد اللطيف معزوز، ورئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء نبيلة الرميلي، إلى جانب مساعد وزير الخارجية الأميركي ونائب وزير الخارجية لشؤون الإدارة كريستوفر لاندو، والسفير الأميركي لدى الرباط ديوك بوشان الثالث. وقد قدمت القنصلة العامة ماريسا سكوت–تورّيس المقر الجديد بوصفه توسعاً حجمياً ووظيفياً كبيراً مقارنة بالموقع السابق، سواء لجهة حجم الطاقم أو عدد المرتفقين والخدمات المقدَّمة لهم.

على مستوى الهندسة المعمارية، أوكلت وزارة الخارجية الأميركية تصميم المجمع إلى مكتب ذا ميلر هُل بارتنرشيب الأميركي، الذي راكم تجارب متعددة في تشييد مباني دبلوماسية في غواتيمالا سيتي ونيامي وغوادالاخارا وميريدا وغيرها. وحرص الفريق المعماري على استلهام مكوّنات من المرجعيات المغربية والهندسة الموريسكية، بالتعاون مع مكتب أولالّو+تشوي المغربي، لدمج عناصر الحرف التقليدية والواجهات المظلِّلة والمساحات المفتوحة في قالب معاصر مخصص للبيئة القنصلية. يتوسط المبنى بهو متعدد الطوابق يشكل نقطة التقاء للحركة الداخلية، تحيط به شرفات ومساحات خارجية، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الأمان وانفتاح فضاءات العمل على الضوء الطبيعي.

إنجاز المشروع أوكل إلى شركة بي إل هاربِرت إنترناشونال الأميركية، التي رسخت نفسها خلال العقود الماضية كأحد المنفذين الرئيسيين لمجمعات السفارات والقنصليات الأميركية عبر العالم، بما في ذلك مبنى السفارة في الرباط الذي أُسنِد إليها سنة 2011 بقيمة تقارب 150 مليون دولار. وفي الدار البيضاء، مُنح عقد البناء للشركة في خريف 2019 بمبلغ أولي ناهز 181 مليون دولار، قبل أن يتجاوز سقف 350 مليون دولار عند اكتمال الأشغال، مع مساهمة قُدِّرت بما يصل إلى 100 مليون دولار تم ضخها بشكل مباشر أو غير مباشر في الاقتصاد المغربي خلال فترة الورش.

على الصعيد البيئي، يسعى المجمع للحصول على اعتماد المباني الخضراء «ليد»، استناداً إلى حزمة من التدابير التقنية تشمل واجهات معدنية مثقَّبة للحد من اكتساب الحرارة، وأنظمة استرجاع الطاقة في وحدات معالجة الهواء، إضافة إلى ألواح كهروضوئية مدمجة في التصميم بهدف خفض استهلاك الطاقة بحوالي ربع المتوسط المتوقع لمبنى من الفئة ذاتها. ويواكب هذا التوجه سياسة أميركية أوسع في تعميم معايير الاستدامة في المنشآت الدبلوماسية الجديدة، بما يمنح المقر القنصلي بعداً استثماريّاً وتقنياً يتجاوز رمزيته السياسية.

قرار مغادرة المبنى القديم في جادة مولاي يوسف يعود في جوهره إلى اعتبارات أمنية متراكمة، إذ أشار توثيق داخلي للبعثة الدبلوماسية الأميركية سنة 2008، عُرف جزء منه لاحقاً عبر تسريبات، إلى صعوبات متعلقة بتأمين محيط القنصلية في شارع ذي حركة كثيفة، وإلى عراقيل واكبت البحث عن عقار بديل يستجيب للمعايير الأميركية والدولية الخاصة بحماية الممثليات الدبلوماسية. وقد دفعت تداعيات محاولة تفجير انتحاري في المنطقة نفسها سنة 2007 إلى ترجيح خيار نقل القنصلية خارج النسيج العمراني المكتظ نحو منطقة حضرية قيد إعادة الهيكلة، وهو ما تحقق مع عرض وكالة تهيئة أنفا لقطعة أرضية تفوق 28 ألف متر مربع داخل المشروع المالي الجديد.

تزامن افتتاح المقر الجديد مع إحياء مرور 250 عاماً على اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة في 1777، بوصفه أول دولة تعلن اعترافاً رسمياً بالكيان الوليد آنذاك، وهي مناسبة حظيت باحتفاء ضمن المؤسسات التشريعية في واشنطن والرباط خلال الأشهر الماضية. وتؤكد الخارجية الأميركية أن هذا المجمع يجعل من المغرب بلداً يحتضن في آن واحد أقدم تمثيلية دبلوماسية أميركية قائمة في العالم، والمتمثلة في مبنى المفوضية الأميركية في طنجة الذي يعود إلى 1821 ويعمل اليوم كمتحف ومركز بحث، وأحدث منشأة قنصلية تم تشغيلها رسمياً. وفي كلمته خلال حفل التدشين، شدد السفير ديوك بوشان على أن العلاقات الثنائية تتجه نحو مزيد من التعاون الاقتصادي والأمني، مجدداً تأكيد دعم بلاده للموقف المغربي من قضية الصحراء، في انسجام مع المواقف التي عبّرت عنها مؤسسات أميركية تنفيذية وتشريعية خلال الأعوام الأخيرة.

خروج القنصلية من مبناها السابق يفتح بدوره ملف إعادة توظيف العقار المطل على جادة مولاي يوسف، حيث تفيد معطيات صحفية بأن ملكية العقار المستأجر ستعود إلى مجموعة التجاري وفا بنك، التي يوجد مقرها الرئيسي التاريخي على بُعد أمتار من البناية القنصلية السابقة، مع ترجيح أن يُستثمر الموقع في توسيع مرافق المقر البنكي في الحي نفسه. وتنسجم هذه التطورات مع اتجاه واسع لتعزيز حضور المؤسسات المالية المغربية في مركز الدار البيضاء التاريخي، بالتوازي مع استقرار مكاتبها ومقارها الجديدة في كازابلانكا فايننس سيتي، بما يعكس إعادة توزيع للأدوار بين الأحياء التقليدية والقطب المالي الناشئ.





المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96389602/nouveau-co...


: في نفس القسم