أصدر القاضي الفيدرالي الأمريكي فينس تشابريا، في 20 أغسطس 2026، قرارا يلغي سبعا من أصل أربع عشرة إدانة كانت صدرت في حق المهندس السابق في غوغل ليني ("ليون") دينغ، وذلك بخصوص تهم "التجسس الاقتصادي" تحديدا، وفق ما ورد في وثائق المحكمة التي اطلعت عليها وكالة رويترز. في المقابل، ظلت الإدانات السبع الأخرى المرتبطة بتهمة "سرقة الأسرار التجارية" سارية دون تغيير.
أما ما هو مؤكد في القضية، فهو أن دينغ، وهو مهندس برمجيات سابق في غوغل، نقل أكثر من 2000 صفحة من وثائق سرية متعلقة ببنية غوغل التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى حساب سحابي شخصي، خلال الفترة الممتدة من ماي 2022 إلى أبريل 2023. ولم تكن هذه الوثائق مجرد "تصاميم رقائق"، بل شملت منظومة أوسع بكثير من العتاد والبرمجيات الخاصة بالحواسيب الفائقة المخصصة للذكاء الاصطناعي، من بينها معالجات TPU وأنظمة GPU وبرمجيات تنسيق آلاف الرقائق لتدريب النماذج الضخمة، إلى جانب بطاقات شبكية عالية السرعة، بحسب ما ورد في بيان وزارة العدل الأمريكية. وفي الوقت ذاته، كان دينغ يتعاون سرا مع شركة تكنولوجيا صينية خاصة تحمل اسم Rongshu، ويحضّر لتأسيس شركته الخاصة للذكاء الاصطناعي في الصين تحت اسم Zhisuan. وحسب وزارة العدل، كان يؤكد للمستثمرين قدرته على بناء حاسوب فائق للذكاء الاصطناعي عبر نسخ وتعديل تقنية غوغل. وكانت هيئة محلفين فيدرالية في سان فرانسيسكو قد أدانته في البداية، بتاريخ 29 يناير 2026، بجميع التهم الأربع عشرة، سبع منها تتعلق بالتجسس الاقتصادي وسبع بسرقة الأسرار التجارية، إذ قدمت وزارة العدل الأمريكية القضية حينها بوصفها أول إدانة أمريكية بتهمة التجسس الاقتصادي المرتبط بالذكاء الاصطناعي.
وبخصوص ما ألغاه القاضي تحديدا، فإن القرار الصادر في 20 أغسطس 2026 لا يمثل مجرد إسقاط تهم قبل المحاكمة، بل إلغاء لإدانات كانت قد صدرت فعليا بعد حكم هيئة المحلفين. والفرق القانوني بين التهمتين جوهري: ففي "سرقة الأسرار التجارية"، كان على الادعاء إثبات أن دينغ أخذ أسرار غوغل وهو على علم بأن ذلك لمصلحته الشخصية أو لمصلحة شركة أخرى، وهو ما اعتُبر ثابتا في القضايا السبع التي ظلت الإدانة فيها قائمة. أما "التجسس الاقتصادي" فيتطلب إثباتا إضافيا مفاده أن دينغ كان يريد، أو يعلم، أن أفعاله ستفيد حكومة أجنبية أو كيانا تابعا لها. واعتبر القاضي أن الملف يثبت بقوة نية دينغ في خدمة مصلحته الشخصية ودعم مشروعه التجاري المستقبلي، لكن هذا لا يكفي قانونا لإثبات التجسس الاقتصادي، إذ كان على الادعاء أن يثبت، دون أي شك معقول، أن دينغ كانت لديه، لحظة نقل الوثائق تحديدا، نية أو معرفة بأن ذلك سيفيد الدولة الصينية أو إحدى الجهات التابعة لها.
أما دلالة الوصف الذي استخدمه القاضي بأن مساعي دينغ كانت "مرتجلة وغير منظمة وضعيفة" (ad hoc, disorganized, and feeble)، فلا تعني أن القاضي يبرئ دينغ من تهمة السرقة، ولا أنه "ليس جاسوسا" بالمعنى المتداول إعلاميا. المقصود تحديدا أن الأدلة المقدمة لم تكن كافية لإثبات مستوى التخطيط والنية المرتبطة بدولة، وهو ما تشترطه تهمة التجسس الاقتصادي بالذات. ولاحظ القاضي في حيثيات قراره، وفق الوثيقة الصادرة عن المحكمة، أن التحويلات موضوع الاتهام تعود إلى الفترة الممتدة من ماي 2022 إلى أبريل 2023، بينما تعود أولى العناصر التي استند إليها الادعاء لإثبات وجود علاقات مع جهات حكومية صينية أساسا إلى الفترة الممتدة من شتنبر إلى دجنبر 2023. وهذا التفاوت الزمني حال دون إثبات، بالدرجة المطلوبة من اليقين القانوني، أن نية إفادة الدولة الصينية كانت قائمة أصلا وقت وقوع السرقة. وبدا أن دينغ كان يسعى أساسا لجمع تمويل خاص وتقديم نفسه للمستثمرين، أحيانا بوصفه المهندس الفعلي لتقنية غوغل.
وفيما يخص ما يبقى دينغ معرضا له، تظل الإدانات السبع المتعلقة بسرقة الأسرار التجارية سارية المفعول. وكل تهمة منها تعرّض دينغ نظريا لعقوبة قد تصل إلى عشر سنوات سجنا وغرامة قدرها 250 ألف دولار، علما أن العقوبة الفعلية ستتوقف على إرشادات إصدار الأحكام الفيدرالية والقرار النهائي للمحكمة. أما تهم التجسس التي أُلغيت، فكانت تحمل حدا أقصى قانونيا بلغ خمس عشرة سنة سجنا وغرامة قدرها خمسة ملايين دولار عن كل تهمة، وفق معطيات نشرتها رويترز ووزارة العدل الأمريكية. والزاوية الأهم في هذه القضية ليست أن "الجاسوس لم يكن جاسوسا"، بل الحد الفاصل قانونيا بين الاستيلاء على أسرار صناعية لصالح مشروع تجاري خاص أجنبي والتجسس الاقتصادي لصالح دولة أجنبية. وهذه الدقة القانونية بالغة الأهمية، خصوصا في التغطية الإعلامية للتنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98073668/google-eng...