المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

قضية برانكوزي التي وسّعت تعريف الفن الحديث في أميركا


الاثنين 21 سبتمبر 2026 à 12:24 |




في 21 أكتوبر 1927، بدأت أمام محكمة الجمارك في نيويورك قضية غير مألوفة بين النحات الروماني قسطنطين برانكوزي والإدارة الأميركية، تمحورت حول منحوتته «طائر في الفضاء». وبحسب توثيق متحف الفن الحديث في نيويورك (MoMA)، لم يكن النزاع متعلقاً بملكية العمل أو أصالته فحسب، بل بالسؤال القانوني والجمالي الأوسع: هل يمكن اعتبار شكل تجريدي مصقول عملاً فنياً، ومن ثم إعفاؤه من الرسوم الجمركية المقررة على السلع المصنعة؟



وصلت إلى الولايات المتحدة في أواخر عام 1926 مجموعة تضم نحو عشرين منحوتة لبرانكوزي، كانت معدة للعرض في معرض بنيويورك قبل انتقالها إلى شيكاغو. غير أن موظفي الجمارك لم يعترفوا بهذه الأعمال بوصفها فناً، وصنفوها ضمن المنتجات المصنعة الخاضعة لرسم يبلغ 40 في المائة من قيمتها، استناداً إلى قانون الرسوم الجمركية الصادر عام 1926. وقدرت المطالبة المالية الإجمالية بنحو أربعة آلاف دولار، فيما خُصصت لمنحوتة «طائر في الفضاء»، التي اشتراها المصور إدوارد شتيغليتز، رسوم قدرها 240 دولاراً.


كانت المنحوتة البرونزية، البالغ ارتفاعها نحو 135 سنتيمتراً، بعيدة عن التصوير الواقعي للطائر. فهي هيئة عمودية ملساء ذات خطوط متصاعدة ونهاية مدببة، لا تظهر فيها أجنحة أو أرجل أو ريش أو منقار بالمعنى التقليدي. لذلك رأت الجمارك أن العمل لا يطابق التعريف القضائي السائد للنحت، الذي كان يربط هذا الفن بمحاكاة الأجسام الطبيعية، ولا سيما الأشكال البشرية، ضمن أبعاد قريبة من الواقع.


أما دفاع برانكوزي، فاستند إلى أن العمل نتيجة تصور فني أصيل، لا مجرد قطعة من المعدن المصقول. وقد دعمه عدد من الفنانين والنقاد وهواة الاقتناء ومديري المؤسسات الفنية، بينهم النحات جاكوب إبستين ومدير متحف بروكلين ويليام هنري فوكس. وأكد الشهود أن قيمة المنحوتة لا تكمن في تشابهها الحرفي مع طائر، بل في قدرتها على ترجمة فكرة الطيران والحركة والسرعة والارتقاء من خلال التناسب والخطوط والكتلة.


أثارت المحاكمة أيضاً مسألة الفرق بين الصانع والفنان. فقد حاول ممثلو الجمارك إظهار أن عاملاً ماهراً يستطيع تلميع قطعة برونزية مماثلة وإنتاج النتيجة نفسها. ورد دفاع برانكوزي بأن المهارة التقنية وحدها لا تكفي، لأن الفنان هو من يبتكر الشكل ويمنحه منطقه البصري. وقدم إدوارد شتيغليتز شهادة تفيد بأن المنحوتة لم تكن مجرد نسخة خارجة من قالب، بل ثمرة مراحل طويلة من العمل والتعديل والبرد والصقل التي أنجزها برانكوزي بنفسه.


لم يحضر برانكوزي جلسات نيويورك، لكنه أدلى بإفادته أمام القنصلية الأميركية في باريس في 21 نوفمبر 1927. وشدد خلالها على أن البرونز المعني عمل أصلي لا مثيل مطابقاً له. كما أوضح أن أعمال «الطائر» تشكل مساراً متدرجاً من البحث التشكيلي، لا إنتاجاً متسلسلاً بغرض التجارة، وهو عنصر أساسي في الرد على ادعاء الجمارك بأن المنحوتة قطعة من سلسلة صناعية.


في المقابل، استعانت السلطات بفنانين من التيار الأكاديمي اعتبروا أن المنحوتة لا تنتمي إلى النحت ولا تحقق مفهوماً للجمال، بسبب تجريدها وابتعادها عن التمثيل الواقعي. وعكست هذه المواقف حدوداً قانونية وثقافية كانت تواجه الفن الحديث في الولايات المتحدة، حيث لم يكن التجريد قد اكتسب بعد اعترافاً مؤسسياً كاملاً، رغم انتشار أعمال الطليعة الأوروبية في المعارض والأوساط الفنية.


صدر الحكم في 26 نوفمبر 1928 لصالح برانكوزي. وخلصت المحكمة إلى أن المنحوتة إنتاج أصلي لنحات محترف، وأنها عمل فني ذو غاية زخرفية وجمالية، حتى لو تعذر على المشاهد ربطها بسهولة بصورة طائر. كما أخذت المحكمة في الاعتبار نشوء مدرسة فنية حديثة وتأثيرها في عالم الفن، معتبرة أن وجودها واقع ينبغي للقضاء الاعتراف به.


أعفى القرار «طائر في الفضاء» من الرسوم الجمركية، ووسّع عملياً المجال القانوني الذي يمكن للفن الحديث أن يعبر من خلاله إلى الولايات المتحدة. ولم تحسم القضية الذوق الفني أو تفرض تعريفاً نهائياً للجمال، لكنها أقرّت بأن العمل الفني قد يستند إلى الفكرة والتجريد والاختيار التشكيلي، لا إلى المطابقة البصرية وحدها.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98101396/q...



Rss
Twitter
Newsletter