قراءتان في تحديات أفريقيا: الجنوب العالمي والذكاء الاقتصادي الترابي


السبت 15 أغسطس/أوت 2026 à 23:56 |



صدر مؤخرا عن دار النشر الفرنسية "لارماتان" كتابان يتناولان بالتحليل رافعتين رئيسيتين لتنمية القارة الأفريقية: الأول بعنوان "أفريقيا في الجنوب العالمي" بإشراف ماما حميدة وليونارد ماتالا-تالا وشارلي مبالا (172 صفحة)، والثاني بعنوان "الذكاء الاقتصادي الترابي في أفريقيا: استراتيجيات المرونة وريادة الأعمال والتنمية الدولية" بإشراف عماد الهجري (507 صفحات). وقد عرضت مجلة Conflits الفرنسية للجيوسياسة قراءة نقدية للكتابين بقلم الدبلوماسي والكاتب أوجين بيرغ.



تنطلق قراءة الكتاب الأول من معطى رقمي دال: لبلوغ معدل استثمار يعادل 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو المعدل الذي حقق الإقلاع الاقتصادي في آسيا، تواجه الدول الأفريقية منخفضة الدخل عجزا تمويليا خارجيا يقدَّر بنحو 120 مليار دولار سنويا بحلول عام 2030. ويستند هذا الرقم إلى تقرير نشرته في يونيو المؤسسة الفرنسية للدراسات والأبحاث حول التنمية الدولية، التي تقدّر العجز التمويلي في 57 دولة منخفضة الدخل بنحو 157 مليار دولار سنويا، أي أقل من 10% من فوائض الادخار المتراكمة لدى الصين (669 مليار دولار سنة 2024) والاتحاد الأوروبي (909 مليار دولار). ويرى معدّا التقرير أن إعادة توجيه 8.5% فقط من الفائض الأوروبي كافية وحدها لتغطية نصف هذا العجز.


وتذهب أطروحة الكتاب إلى أن التحدي الجوهري أمام أفريقيا، لكي تتجاوز فخ كونها مجرد منتج للمواد الأولية غير المصنّعة، يكمن في بناء إطار قانوني يضمن الأمان اللازم للتبادلات الاقتصادية مع صون سيادة الدول الأفريقية في رسم مسارات تنميتها الخاصة. ويرى المؤلفون أن جانبا كبيرا من هذا التحول سيأتي من النظام الاقتصادي العالمي الجديد، المتسم بظهور نقاط قطيعة محتملة، بقيادة الصين، مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي سعيا إلى تنمية أقل تقييدا، إضافة إلى احتمال تراجع هيمنة الدولار على النظام النقدي الدولي، وموقف الغرب من هذه التحولات ورد فعله تجاهها.


وتحظى علاقة القارة بمجموعة "بريكس+"، وفي مقدمتها الصين، بتقييم إيجابي عموما لدى المؤلفين، إذ من شأن توسع المجموعة أن يعزز ثقلها الديموغرافي وسيطرتها على الإنتاج العالمي للنفط، فضلا عن سعيها لتقوية وزنها في مجالي الطاقة والمعادن عبر انضمامات مرتقبة، أبرزها نيجيريا وكازاخستان في مجال الطاقة، وإندونيسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشيلي لتعزيز حصصها في أسواق المعادن. وقد أصبحت الصين في أقل من عقدين الشريك الاقتصادي الأول لأفريقيا، والتزمت باستثمار 1000 مليار دولار في البنية التحتية بحلول عام 2049، تخصص أكثر من نصفها للقارة الأفريقية ضمن مبادرة "طريق الحرير الجديد". غير أن مرحلة ما بعد الأزمة لم تشهد انتعاشا واضحا في الاستثمار الأجنبي المباشر بالقارة، باستثناء الطاقات المتجددة التي كادت استثماراتها تتضاعف بين عامي 2010 و2020، بمعدل نمو سنوي استثنائي بلغ 96%، مقابل 15% في آسيا والمحيط الهادئ (باستثناء الصين والهند) و7% على مستوى العالم، بحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة لعام 2022؛ علما أن مجموع هذه الاستثمارات في أفريقيا لا يمثل سوى 2% من إجماليها العالمي.


أكثر من إطار قانوني يجمع أفريقيا وبريكس+، فإن عشرات من "الدانغوتيين" هم من قد يمنحون القارة الأفريقية تنميتها وأمنها.

ويرى الكتاب أن أفريقيا تقف اليوم في قلب مهن المستقبل العالمية، ويمكنها أن تصبح فاعلا رئيسيا في صناعات الغد، شريطة تكثيف الجهود لتطوير القطاع الصناعي ورأس المال البشري لإنتاج سلع ذات قيمة مضافة عالية والتموقع في الأسواق الدولية. ففي الصناعات الخضراء، تفرض القارة نفسها موردا لا غنى عنه للمعادن، في ظل الطلب العالمي المتنامي ورغبة قوى كبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي، في التحرر من التبعية للصين، إضافة إلى الإمكانات التي يضيفها الهيدروجين الأخضر. ومن الأمثلة الدالة على هذه الديناميكية أليكو دانغوتي، أغنى رجل في أفريقيا، الذي شيّد مصفاة عملاقة في نيجيريا زوّدت العالم بمنتجاتها بكثافة خلال حصار مضيق هرمز، وقرر بناء مصفاة جديدة في كينيا بكلفة 17 مليار دولار.


أما الكتاب الثاني، "الذكاء الاقتصادي الترابي في أفريقيا"، فيتتبع نشأة هذا المفهوم وتطبيقاته في القارة. ففي فرنسا، روّج له في تسعينيات القرن الماضي المحافظ الفرنسي ريمي بوترا، الذي استعان به في ترشيد المناطق الحضرية وإنشاء أقطاب الكفاءات واستقبال الساكنة المهاجرة. وفي المغرب، اعتمدت المندوبية السامية للتخطيط هذه المنهجية في سياسة المدينة، وفي الموانئ الكبرى ومحيطها، وفي مناطق التنمية الصناعية، فضلا عن قطاعي البنية التحتية والنقل. وفي أفريقيا، بدأ رواد الذكاء الاقتصادي في الوقت ذاته تحسيس الطلبة وصناع القرار بهذه المقاربة المبتكرة، وساهمت الفرنكوفونية في تيسير هذا التطور عبر تبادلات متعددة، من بينها منتديات الداخلة التي جمعت باحثين وأكاديميين من شمال أفريقيا وغربها ومن فرنسا. وقد أصبحت هذه المنهجية اليوم، بفضل هؤلاء الرواد ومن جاء بعدهم، أداة معترفا بفعاليتها في تحقيق تنمية أكثر توازنا وأمنا في الاقتصادات الناشئة.


ويستعرض كل فصل من فصول الكتاب تطبيقا لمنهجية الذكاء الاقتصادي على أزمة محلية أو وطنية أو إقليمية، مبرزا القدرة على إيجاد حلول عبر اعتماد هذه المنهجية وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات المفيدة. ومن بين المجالات التي حققت فيها هذه المقاربة نتائج ملموسة إدارة المخاطر والأزمات، وهي إشكالية محورية بالنسبة لكثير من الدول والشركات؛ إذ تفيد إحصاءات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2023 بأن النزاعات الحالية في أفريقيا جنوب الصحراء تتسبب في تراجع سنوي متوسط بنسبة 2% في الناتج المحلي الإجمالي للدول المتضررة، في حين تسجل الدول التي تنعم باستقرار نسبي معدلات نمو قد تتجاوز 4%، وهي فجوة تكشف عن حلقة مفرغة يتغذى فيها انعدام الاستقرار والفقر أحدهما من الآخر. وفي هذا الإطار، يخصص الكتاب حيزا مهما لفصول المرونة، نظرا لتعقيد القضايا التي تواجه الفئات المتضررة، مؤكدا أن مهمة الذكاء الاقتصادي ليست الاستجابة للمظالم، بل تدبير أوضاع اللاجئين بأكبر قدر من الفعالية في ظروف صعبة، بما يمكّنهم لا من الصمود فحسب بل من النهوض من جديد.


وتُظهر تجارب دول مثل رواندا، التي نجحت في فرض علامتها البلدية "Visit Rwanda" رغم بيئة إقليمية متوترة، أو المغرب، الذي يجمع بين القوة الناعمة والدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز إشعاعه الدولي، أن استراتيجية واضحة الرؤية ومنفَّذة بمنهجية يمكن أن تحقق نتائج ملموسة، حتى في ظل موارد محدودة وسياق غير مواتٍ. وتثبت هذه النماذج أنه، بإرادة سياسية واضحة وخطة عمل دقيقة وتوجيه معلوماتي محكم، يمكن لأفريقيا ألا تكتفي بتحسين صورتها فحسب، بل أن تعزز سيادتها أيضا وتجتذب استثمارات هيكلية.




المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...


: في نفس القسم