أقر الكنيست الإسرائيلي قانونا جديدا يمنح المحاكم الحاخامية سلطة التحكيم في النزاعات المدنية، بعد تصويت حصل فيه مشروع القانون على أغلبية برلمانية أتاحت تحويله إلى تشريع نافذ. وبهذا التعديل تنتقل هذه المحاكم من دورها التقليدي في قضايا الأحوال الشخصية إلى موقع يسمح لها بالتدخل في طيف أوسع من الخلافات ذات الطابع المدني، متى ما توافرت شروط محددة تتعلق برضا الأطراف المعنية وإطار الدعوى المطروحة. ويمثل هذا التطور حلقة جديدة في مسار تشريعي أوسع تشهده إسرائيل في الأعوام الأخيرة، يتصل بإعادة رسم الحدود بين القضاء الديني والقضاء المدني وبالتوازن الداخلي بين المكونات الحزبية ذات المرجعية الدينية وتلك التي ترفع لواء العلمانية.
عضو الكنيست عن حزب “يهودت هتوراه” يتسحاق بيندروس
القانون يتيح للمحاكم الحاخامية النظر في نزاعات مدنية عندما يتفق الطرفان على اللجوء إليها، بحيث تصبح قراراتها في هذه الحالة ذات طابع ملزم ضمن آليات التحكيم المعترف بها قانونيا، وليس مجرد فتاوى أو توصيات أو تسويات عرفية بين المتخاصمين. وتشمل هذه الصلاحيات، بحسب ما ورد في تقارير إعلامية إسرائيلية، قضايا تتعلق بالخلافات المالية والتجارية وبعض جوانب علاقات العمل، مع النص على أن دعاوى قانون العمل يمكن أن تنظر فيها هذه المحاكم إذا تقدم بها العامل نفسه، لا صاحب العمل. ويتيح ذلك توسعا فعليا في نطاق اختصاص المؤسسة الحاخامية التي كانت مقتصرة بصورة أساسية على الزواج والطلاق والنفقة وأحكام الأحوال الشخصية لليهود، وفق القانون القائم منذ قيام الدولة.
جاء القانون ثمرة مبادرة تشريعية قادها حزبا شاس ويهدوت هتوراه، وهما من أبرز مكونات معسكر الأحزاب الحريدية المشاركة في الائتلاف الحكومي، واستفادا من ميزان القوى داخل الكنيست لدفع هذا التعديل قدما رغم معارضة كتل أخرى. وقد تلاقى هذا المسعى مع توجه أوسع أبدته قيادات دينية وسياسية في السنوات الماضية لدعم موقع الحاخامية الكبرى وتوسيع نطاق حضورها المؤسسي، بما في ذلك طرح أفكار سابقة حول منح المحاكم الدينية دورا في الفصل في المنازعات النقدية. ويأتي تمرير القانون الجديد بمثابة ترجمة عملية لهذه الرؤية التي طالما رأت في المحاكم الحاخامية مرجعا يتجاوز المجال الأسري إلى المجال المدني الأوسع.
في المقابل رأت قوى معارضة داخل الكنيست في التشريع خطوة إضافية في اتجاه ترسيخ نفوذ المؤسسات الدينية داخل البنية القضائية للدولة، وربطه بعض النواب بما وصفوه بتحول تدريجي نحو نموذج أكثر اقترابا من الدولة الثيوقراطية في ما يتصل ببنية الحكم وموقع الشريعة اليهودية في صناعة القرار. ويخشى منتقدو القانون أن يخلق توسيع اختصاص المحاكم الحاخامية مسارا بديلا للقضاء المدني قد يؤثر في مبدأ المساواة بين المواطنين، خصوصا في قضايا ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية حساسة، وأن يُستخدم كأداة تفاوضية بين أطراف متباينة القدرات داخل المجتمع. كما يثير هذا المسار تساؤلات حول موقع المحكمة العليا الإسرائيلية ودورها في موازنة العلاقة بين التشريعات ذات الطابع الديني والمعايير القانونية المدنية التي تطورت عبر عقود من الاجتهاد القضائي.
هذا التطور التشريعي يتقاطع مع مسار آخر من التعديلات المقترحة والمقرة في السنوات الأخيرة، التي مست تنظيم السلطة القضائية وتقليص إمكان تدخل المحكمة العليا في قرارات الحكومة، ما منح الأحزاب الدينية هامشا أوسع للمطالبة بإعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات المدنية والدينية. وتتابع أوساط بحثية ومنظمات حقوقية هذه التحولات بوصفها مؤشرا على إعادة تشكيل التوازن الداخلي في إسرائيل بين المرجعية القانونية المدنية من جهة، وبين حضور الخطاب الديني في مؤسسة الحكم من جهة أخرى، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات محتملة على قضايا المواطنة والحقوق الفردية والجماعية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95601072/kanon-yosaa...


