تثير المقالات الغربية الحديثة أسئلة متزايدة حول الطريقة التي أعادت بها الأجهزة الذكية وتطبيقات الاتصال تشكيل علاقتنا بالانتباه، من بينها مقال للكاتبة هارييت غريفي عن «فن التركيز المفقود» نشر في صحيفة بريطانية بارزة في خريف ٢٠١٨، واستعادته لاحقًا منصات عدة متخصصة في الصحة النفسية والرفاه الرقمي، التي اعتبرت ما طرحته مثالًا مبكرًا على التحذير من آثار الإلهاء الرقمي على الحياة اليومية والعمل والصحة الذهنية. يعرض هذا المقال تصورًا لحياة معاصرة يتحول فيها التحقق المستمر من الهاتف إلى عادة شبه لاواعية، حيث تشير بعض المراجع التي نقلت عن النص الأصلي إلى أن المستخدم العادي يمسك بهاتفه كل بضع دقائق منذ لحظة الاستيقاظ، في نمط من السلوك يصفه خبراء الصحة النفسية بأنه شكل من أشكال «السلوك الدائم الاتصال» الذي يغذي شعورًا متزايدًا بالتشتت العقلي والإجهاد المعرفي.
يسود في هذا النقاش تصور أن الانقطاع المتكرر عن أي مهمة ذهنية، سواء عبر الإشعارات أو التبديل المستمر بين التطبيقات والنوافذ، لا يترك تأثيره على مستوى الانزعاج اللحظي فحسب، بل يمتد إلى بنية العادات الذهنية نفسها، إذ تذهب تحليلات نُشرت في منصات تقنية إلى أن الدماغ يتكيف مع الإيقاع المتسارع للمهام القصيرة، ما يقلل من قدرته على الانغماس في نشاط يتطلب تركيزًا عميقًا وممتدًا. وتستفيد هذه المقاربات من تراكم أدبيات علمية ونصف علمية حول «التعب المعرفي» و«تجزئة الوقت»، وهي مفاهيم تستعملها دراسات تسويقية وأكاديمية حديثة لوصف الأثر التراكمي لفيض المحتوى على مدى القدرة على مواصلة الانتباه لمادة واحدة، سواء كانت مقالًا طويلًا أو كتابًا أو تقريرًا مهنيًا.
يمتد هذا التحليل إلى ميدان القراءة بوصفه مؤشرًا مبكرًا على تراجع القدرة على التركيز، حيث تنقل بعض المنصات المتخصصة في الرفاه النفسي عن المقال الأصلي ومصادر مشابهة شكاوى متكررة لأشخاص يرون أنهم فقدوا القدرة على الاستمتاع بقراءة رواية أو نص طويل كما في السابق، بعدما اعتادوا القراءة السريعة للسطور الأولى والبحث عن الكلمات المفتاحية بدل متابعة البنية الكاملة للنص. ويتقاطع هذا التشخيص مع ملاحظات باحثين في تجربة المستخدم حول ما يصفونه بـ«الإرهاق من المحتوى» لدى الجمهور، في سوق إعلامي وتواصلي تغمره المواد البصرية والنصية القصيرة المصممة لاصطياد الانتباه في ثوان معدودة، الأمر الذي يدفع كثيرًا من العلامات التجارية إلى إعادة التفكير في طريقة مخاطبة جمهور مرهق أصلاً من كثافة الرسائل المعروضة عليه عبر الشاشات.
وفي خلفية هذه التحليلات تبرز فكرة أن فقدان القدرة على التركيز ليس حتميًا وغير قابل للانعكاس، بل هو نتيجة مسار من العادات اليومية يمكن تعديله بقرارات فردية ومدعوم أحيانًا بإرشادات متخصصة، وهو ما تؤكده مقالات استرشادية استندت إلى عمل غريفي لتقديم نصائح عملية لاستعادة نوع من التوازن بين الفضاء الرقمي والحياة الذهنية، مثل ضبط الإشعارات وترتيب أوقات محددة للتعامل مع البريد والتطبيقات، وتخصيص فترات يومية خالية من الشاشات لقراءة متأنية أو نشاط ذهني ممتد. وتذهب بعض المداخلات المنشورة في منصات تقنية إلى أن تدريبات الذهن المتصلة بما يسمى «اليقظة الذهنية» تساعد بعض الأشخاص على رصد لحظة الانقسام الداخلي بين الرغبة في التركيز والانجذاب التلقائي إلى الهاتف، ومن ثم اتخاذ قرار واعٍ بالتوقف عن هذا المسار قبل أن يتحول إلى حلقة جديدة من التشتت.
يعيد هذا النقاش، بشقيه الصحفي والبحثي، طرح سؤال قديم بصيغة جديدة حول العلاقة بين التطور التقني والقدرات العقلية، إذ يميل بعض المعلقين إلى اعتبار التحول في أنماط التركيز نوعًا من التكيف مع بيئة اتصالية أكثر تسارعًا، في حين ينظر آخرون إلى الاتجاه نفسه باعتباره تآكلًا لقدرة الإنسان على الانخراط في التفكير المتعمق، مستشهدين بتجارب المستخدمين ومعطيات علم النفس المعرفي حول الحاجة إلى فترات زمنية متصلة لبناء فهم متماسك للموضوعات المركبة. وبين هذين الموقفين، تحاول نصوص من نوع المقال الذي كتبته غريفي فتح مساحة لاستعادة زمام المبادرة الفردية، عبر دعوة القارئ إلى إعادة تقييم طريقة استخدامه للهاتف والتطبيقات، مع الإشارة إلى أن استعادة مهارات التركيز تتطلب، مثلما يشير بعض المختصين، صبرًا ومثابرة وقرارات صغيرة متكررة تكرس بمرور الوقت نمطًا جديدًا من العلاقة مع التكنولوجيا.
وفي العالم العربي، يكتسب استيراد هذا النقاش بعدًا إضافيًا يتعلق بسرعة انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل خلال فترة زمنية قصيرة، وما رافق ذلك من انتقال واسع من القراءة الورقية إلى الاستهلاك السريع للأخبار والمحتوى عبر الشاشات، ما يفتح الباب أمام صحافة موجهة للقارئ العربي تبحث في آثار هذا التحول على التعلم والعمل والحياة الأسرية، مستفيدة من مثل هذه المقالات الغربية بوصفها مادة تأطيرية قابلة للتكييف مع السياق المحلي. بالنسبة للصحفيين العاملين في غرف الأخبار الرقمية، يطرح هذا المسار تحديًا مزدوجًا يتمثل من جهة في ضرورة فهم ديناميكيات الانتباه الجديدة لدى الجمهور، ومن جهة أخرى في حماية قدراتهم الذاتية على التركيز في بيئة عمل تتسم بطبيعتها بكثافة الإشعارات وتعدد المهام، وهو ما يجعل التأمل في أفكار من قبيل «فن التركيز المفقود» جزءًا من نقاش أوسع حول مستقبل الممارسة الصحفية في زمن الهيمنة الرقمية.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96501851/f...

ساعتان يومياً من "عدم الفعل": استثمار علمي لصحتك النفسية
