فلسفات الاحتفال: هل العيد نشوة سياسية واجتماعية؟


Rédigé le الخميس 25 دجنبر 2025 à 15:06 | Lu 0 commentaire(s)



تفيد متابعة فكرية أن مقاربة مفهوم “الحفل/الاحتفال” تتأرجح بين مثاله الحرّ العفوي ومأسسته الطقوسية. وتستند القراءة إلى حلقة من برنامج “Avec philosophie” على France Culture، حيث نوقشت تصوّرات جان جاك روسو وإميل دوركهايم حول وظيفة الاحتفال وحدوده.



وفق المنظور الرُّوسوي، تُحلم الاحتفالات بسيطة وجامعة ومتحرّرة من المسرحة الطبقية: لقاءات تنشأ من المصادفة وتُذيب الفوارق، أقرب إلى “الفرح المدني” الذي يشترك فيه الجميع بدل نموذج المسرح الذي يُقسّم بين مبدين ومشاهدين. تُستعاد صور الطفولة و“لقاءات الساحة” واحتفالات التنكّر الشعبية لتأكيد أن الاجتماع يسبق التنظيم، وأن الفرح الحقّ يتولّد من اللقاء لا من إدارة مركزية. مع ذلك، يعترف هذا المنظور بوجهه المقلِق: من قلب الفرح قد تنشأ المفاضلة والغيرة والوجه المبكر للامساواة حين يصبح “أن تُفضَّل” جزءاً من لعبة الاعتراف.

أمّا عند دوركهايم، فالاحتفال واقعة اجتماعية مُنظَّمة دوماً، حتى حين يبدو عفوياً. إنّه زمن مفصول عن العمل والدنيوي، تُعلَّق فيه الإلزامات اليومية لصالح “القدسي الاجتماعي” الذي لا يقتضي متعالياً دينياً. قد تكون الاحتفالات فرِحة أو حزينة؛ الأهم أنها لحظات “فوران جمعي” تُكثِّف الإحساس بالمشترك وتُنتج قيماً وأفكاراً جمعية جديدة. لهذا يُشدِّد على الإيقاع: لا احتفال بلا دورية، لأن فائض الطاقة الوجدانية يحتاج فترات كمون، ولأن المُثل التي تولد في الذروة لا تعيش إلا بإحيائها دورياً.

يسجّل النقاش أيضاً بُعد الإلزام: حتى أكثر الاحتفالات “عفوية” تحمل أثراً من القسر الاجتماعي؛ الامتناع عنها في مجتمعات تقليدية يعرّض صاحبه للجزاء. يتجاوب هذا مع خبرتنا الحديثة في “إكراه الفرح” داخل مواسم بعينها، حيث تتحوّل العائلة والسوق والإتيكيت إلى منظومة توقعات تُلقي بثقلها على الأفراد، فيما يظلّ الوعد الأصلي للاحتفال هو التعليق المؤقت لمنطق الإنتاج والزمن المحسوب.

في تقاطع الفكرتين، يظهر مثال تاريخي كجنيف و“عيد الانتصار” الذي أُسِّس من أسفل ثم اعتنقته السلطات لاحقاً، ما يوضّح كيف تتحرّك الأعياد بين مبادرة شعبية وتطبيع رسمي. كما يُستحضر نقد روسو للمسرح المغلق لصالح احتفالات في الفضاء العام تُعيد صوغ الندية، مقابل تحذير دوركهايم من أن غياب الإطار يُفقد هذه اللحظات قدرتها على تثبيت المعنى المشترك.

يخلص الطرح إلى أن للاحتفال بعداً سياسياً ومعرفياً معاً: هو مختبر يُنتج الروابط ويعيد تسميتها، ووسيلة صيانة للديمقراطي حين يلتئم حول قيم مُعلنة بوضوح. على هذا الأساس، تُقترح “أعياد للمساواة والعدالة” بوصفها ترميزاً لائكيّاً جديداً للمشترك، حيث تُحتفى القيم بلا استعارةٍ دينية، وتُحفظ بالإيقاع الدوري كي لا تتحوّل الذروة إلى ذكرى عابرة أو واجب ثقيل.




المصدر : https://alarabiya.articlophile.com/blog/i/93367070...


Dans la même rubrique :