فلسطين 36: ذاكرة ثورة خالدة


Rédigé le الخميس 15 يناير 2026 à 12:57 | Lu 2 commentaire(s)



يعود فيلم «فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر إلى زمن الانتداب البريطاني ليستكشف جذور ثورة 1936–1939 عبر حكايات قرية متخيلة على أرض فلسطين. العمل يخرج إلى الصالات في فرنسا في 14 يناير، ويستعيد مشاهد الحياة اليومية تحت سلطة استعمارية تتبدل أشكالها ولا تتغير في جوهرها، في صدى مباشر لما يعيشه الناس اليوم في غزة والضفة الغربية. هذا التناول النقدي يلتقي مع قراءة الصحافية الفلسطينية علا الشيخ المنشورة على موقع «رصيف22»، فيما يقدّم موقع «كورير إنترناسيونال» نسخة مترجمة يمكن الاطلاع عليها من خلال هذا الرابط: «فلسطين 36، فيلم عن انتفاضة شعب يرفض أن يُمحى».



يُبنى السرد على أسرة ريفية تحاول حماية الأرض والروابط، أب فلاح يقاوم الضغوط، أم تحفظ تماسك البيت وذاكرته، والابن مراهق يتأرجح بين رغبة في حياة طبيعية وبين نداء الانخراط في المقاومة التي مهدت لثورة 1936 ضد سياسات الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية المنظمة. الفيلم لا يقدم دروساً في التاريخ بقدر ما يتيح اختباراً حسياً لتوترات البقاء: هل يثبت الناس في أرضهم رغم التهديد أم يغادرون تحت وطأة القمع وتبدّل موازين القوة.

يبدأ جاسر بناءً بصريًا بطيئ الإيقاع في البداية كي يتعرف المشاهد إلى المكان كصديق قديم: حقول واسعة، قرى حجرية، أسواق نابضة قبل أن تُهجر. الألوان الترابية والخضراء تستحضر أرشيف الثلاثينيات، مع لقطات مُلوّنة تتخلل المشاهد لتربط الذاكرة بالراهن وتذكّر بأن فلسطين كانت فضاءً عادياً قبل أن تُحاصر بالصراع. اللغة السينمائية دقيقة وعملية؛ التفاصيل ليست خلفية بل عناصر في ذاكرة جماعية تبحث عمّن يمنحها حياة جديدة.

عند الفجر والغروب، تُوظّف الإضاءة الطبيعية لتجسيد مرحلة متحوّلة، حيث العتمة السياسية تتسلّل إلى المشهد فيما تلمع بقايا حياة في الحركات الصغيرة: يد تنثر البذور، أخرى تمسح سلاحاً في الخفاء. الصوت يعمّق هذا البناء؛ الصمت جزء من الحكي، تُسمع خطوات على التراب، خوار الماشية، صفير الريح، وضجيج قطار إنجليزي لا يمر كوسيلة نقل فقط بل كإشارة إلى منظومة استعمارية تفرض إيقاعها. وعندما تحضر الموسيقى، تأتي خافتة وحزينة كأثر لجُرح مستمر.

الأداءات تُرسّخ هذا التوازن بين العام والحميم. هيام عباس تمنح شخصية الأم حضوراً يَجمع بين الهشاشة والقوة بوصفها ذاكرة حيّة تنقذ العائلة من التشتت. سالم بكري، ظافر العابدين، كامل الباشا، ياسمين المصري، يمنى مروان وبيلي هاول يشاركون في رسم ملامح زمن مضطرب دون أن يتحوّلوا إلى رموز سياسية مجردة. المونتاج يبدأ بإيقاع متأمل ثم يتسارع مع تصاعد الوقائع التاريخية. ويحافظ على توازن دقيق بين المشاهد الجماعية التي ترسم سياق الحقبة والمشاهد الشخصية التي تعيدنا إلى البشر وتجاربهم.

قيمة «فلسطين 36» أنه لا يستدعي الماضي كفصل من كتاب مغلق، بل يكشف استمراريته في الحاضر؛ البُنى الاستعمارية تتغير أدواتها لكنها لا تبدّل طبيعتها. لذا يبدو الفيلم جسراً بين ثورة 1936 وما يحدث اليوم في غزة والضفة الغربية، حيث تتجاور ذاكرة ترفض النسيان مع واقع يرفض الإلغاء. عبر هذا المنظور، تتحول مشاهدة الفيلم إلى فعل معرفة بتاريخ ممتد، يُذكّر بأن الناس هنا ليسوا أبناء اللحظة فقط، بل امتداد قرن من الحكايات التي لا تزال تُكتب تحت الاحتلال.




المصدر : https://cinemar.articlophile.com/articles/i/937097...


Dans la même rubrique :