زمان، كان بعض الأهالي بيسلّموا عيالهم للمدرس ومعاهم تصريح مفتوح: «إنت تكسّر وإحنا نجبّس». جملة كانت بتتقال أحيانًا بفخر، باعتبارها دليلًا على اهتمام الأسرة بالتعليم، وثقتها في المدرس، واستعدادها للتعاون معاه في تحويل الطفل لبني آدم ناجح، حتى لو احتاج الأمر شوية قطع غيار.
كبرنا، واتغيرت المدارس، وزادت مصاريفها، وبقى ممنوع الضرب، بأوامر من الوزارة وإيمان من الأهالي، ودخلنا عيالنا أنشطة عشان نبني شخصيتهم ونقوّي ثقتهم بنفسهم. لكن يا سبحان الله يبدو إن التصريح القديم دخل معانا النادي، بصيغة معدّلة تناسب الطموحات الجديدة: اضرب يا كابتن، واشتم، وهين، واقرص، المهم نجيب البطولة، والعيل يتصور والميدالية منورة على صدره..
الأيام الماضية انتشر فيديو لمدرب تنس الطاولة بيحضر مع لاعبة أثناء مشاركتها في بطولة في انجلترا. اللاعبة خسرت فالمدرب بكل تلقائية لطشها بالقلم على وشها. المقطع أثار اهتمام الشرطة هناك وبادرت بالتحقيق في الواقعة، وأعقب ذلك قرار وزير الرياضة المصري بوقف المدرب وفتح تحقيق. في المقابل بأه، خرجت والدة اللاعبة في فيديو، وبدل ما تعترض وتطالب بسرعة التحقيق مثلا، نفت حدوث الصفعة من أصله، وقالت إن المدرب كان بيهوّش البنت ومالمسهاش!.
التبرير نفسه يستحق إننا نقف عنده: يعني هو“التهويش“ بقى من أدوات التدريب المعتمدة؟ المفروض الطفل يبقى مستني من إيد المدرب شرح حركة، ولا احتمالية قلم؟ وإيه بالضبط القيمة التربوية اللي بتضيفها إيد مرفوعة في وش طفلة، حتى لو وقفت قبل ما تلمسه؟
الأم استندت، ضمن دفاعها، إلى إن بنتها ما عيطتش، وما حكتلهاش إنها اتضربت، وإن علاقتها بمدربها علاقة ثقة ممتدة من سنين، وشبّهتها بعلاقة أب بابنته.
لكن دموع الطفل مش جهاز كشف اعتداءات. وعدم الشكوى مش شهادة جودة للكبار. الطفل ممكن يسكت لأسباب كتير، وإحنا ما نعرفش سبب سكوته. .
أما تشبيه المدرب بالأب، فالمفروض إنه يزيد مسؤوليته، مش يوسّع صلاحياته على جسم الطفل. وحتى الأبوة نفسها مش تصريح بالإهانة، عشان نستعيرها لتبرير سلوك أي شخص تاني.
وفي تصريحات نقلتها الصحافة، قال رئيس اتحاد تنس الطاولة إن المدرب لم يقصد صفع اللاعبة، وإن ما حدث جاء في إطار تعنيفها، وأشار إلى استكمالها المنافسات وتحقيق الفوز والتأهل.
وهنا نصل إلى حسبة تستحق التأمل: ما دامت كسبت، يبقى الموضوع انتهى؟ ولو خسرت كنا هنعتبر اللي حصل غلط؟ هل نتيجة المباراة هي اللي تحدد صلاحية الطريقة اللي اتعاملنا بيها مع طفلة؟
المشكلة الأوسع هي اللحظة اللي بنبدأ فيها نحسب مصلحة الطفل بالميداليات وحدها. نصرف وقت وفلوس، ونلف على التمرينات والبطولات، فيبقى الاعتراض على الكابتن مخاطرة. وممكن نبدأ نطلب من الطفل يستحمل، عشان ما يضيعش تعب السنين. و ده بالظبط اللي أشارت إليه الأم في الفيديو لما قالت إنها مش هتسمح للكلام ده يعطل مستقبل بنتها في الرياضة..
و بناءا عليه فاحنا محتاجين قواعد حماية واضحة في الأندية، ووسيلة شكوى ما تهددش مكان الطفل في الفريق، ومحاسبة ما تستناش فيديو ينتشر أو بطولة تتقام برّه البلد.
وقبل كل ده، محتاجين نبطل نسأل: «يعني نضيّع مستقبله عشان قلم؟». ونسأل إزاي بنينا له مستقبلًا، بقى الحفاظ عليه محتاج إنه يقبل القلم.
المصدر : https://www.mc-doualiya.com/%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%...