Articlophile.xyz | Agrégateur d'Actualités et Articles de Qualité

عيد البشارة بين التقويمين الغريغوري واليولياني: معنى ديني وزمني


Rédigé le الاربعاء 25 مارس 2026 à 11:43 | Lu 0 commentaire(s)



يحتل عيد البشارة مكانة مركزية في السنة الليتورجية المسيحية، إذ يربط بين زمن التاريخ الكوني وزمن الخلاص في الوعيين الكاثوليكي والأرثوذكسي على السواء. فهو يخلّد، في الذاكرة الدينية، لحظة الإعلان لمريم عن حملها بيسوع، بوصفها بداية قصة التجسّد التي ستقود بعد تسعة أشهر إلى ميلاد المسيح في عيد الميلاد. يعتمد الاحتفال بهذا العيد في التقاليد المسيحية اليوم على تقويمين مختلفين: التقويم الغريغوري السائد في الكنائس الكاثوليكية وغالبية الكنائس البروتستانتية، حيث يثبت العيد في الخامس والعشرين من مارس، والتقويم اليولياني الذي ما تزال تعتمده عدة كنائس أرثوذكسية، حيث يقابل التاريخ نفسه السابع من أبريل بحسب العدّ المدني المعاصر. هذا التباين لا يغيّر من مضمون العيد، لكنه يذكّر باستمرار أثر الاختلافات التقويمية في تشكيل الخريطة الزمنية للمناسبات الدينية المسيحية.



يُستند في تحديد العيد إلى منطق رمزي بسيط وواضح: إذا كان ميلاد يسوع يُحتفل به في الخامس والعشرين من ديسمبر، فإن لحظة الحبل به تُحدَّد قبل ذلك بتسعة أشهر، أي في الخامس والعشرين من مارس. هكذا ارتبط عيد البشارة بنقطة مفصلية في دورة السنة: الاعتدال الربيعي، حيث يتساوى الليل والنهار، بما يحمله ذلك من دلالات على الانتقال من الظلمة إلى النور. في الوعي اللاهوتي، يُقرأ هذا التزامن بوصفه تعبيراً عن بداية زمن جديد، إذ ينظر إلى التجسّد على أنه «انقلاب» في مسار التاريخ، من انحدار نحو الموت إلى مسار خلاص يُعاد فيه تعريف العلاقة بين الإنسان والإله. بعض النصوص الليتورجية الأرثوذكسية تذهب إلى أبعد من ذلك، فتربط الخامس والعشرين من مارس أيضاً بذكريات رمزية أخرى مثل خلق العالم أو سقوط آدم، لتجعل من تاريخ البشارة نقطة التقاء بين بدايات متعددة: بداية الخليقة، وبداية السقوط، وبداية مشروع الخلاص.

في المستوى السردي، يستند العيد إلى رواية إنجيلية واحدة هي خبر البشارة في إنجيل لوقا، حيث يَرِد إرسال الملاك جبريل إلى مريم، وإبلاغها بأنها ستلد ابناً يُدعى يسوع، يُقدَّم في النص المسيحي بوصفه المسيح المنتظر. في القراءة الكاثوليكية والأرثوذكسية، يُنظر إلى جواب مريم «ليكن لي كقولك» على أنه لحظة قبول حرّ تَفتح الباب أمام التجسّد، وتُمنح هذه اللحظة مكانة لاهوتية خاصة باعتبارها نموذجاً لطاعة الإيمان. هذا البعد يجعل العيد يتجاوز كونه مجرد ذكرى حدث، ليصبح مناسبة للتأمل في علاقة الإنسان بالدعوة الإلهية، وفي معنى القبول والمسؤولية أمام ما يُنظر إليه كمشروع إلهي. كما يُكرَّس هذا العيد في التقاليد الأرثوذكسية ضمن مصفوفة «الأعياد الكبرى» المرتبطة بالمسيح وأمّه، بما يمنحه وزناً طقسيّاً واضحاً في مسار السنة الكنسية.

من زاوية التقويم، يسلّط اختلاف التاريخ بين الخامس والعشرين من مارس والسابع من أبريل الضوء على استمرار التباين بين التقويمين الغريغوري واليولياني في العالم المسيحي. فالإصلاح الغريغوري الذي اعتمدته روما في القرن السادس عشر لم يُقبل في الوقت نفسه في الشرق، وما تزال بعض الكنائس الأرثوذكسية تعمل بالتقويم اليولياني للاحتفالات الثابتة، ما ينتج فارقاً زمنياً اليوم يبلغ ثلاثة عشر يوماً. هذا الفارق يظهر جلياً في أعياد ثابتة مثل الميلاد والبشارة، حيث يحتفل بها المؤمنون ضمن الفضاء الديني ذاته لكن في تواريخ مدنية مختلفة، في مفارقة تعكس كيفية استمرار التاريخ الكنسي في مسار خاص إلى جوار الزمن المدني العالمي. بالنسبة لصحفي أو باحث في الشأن الديني، يتيح هذا الاختلاف مادة غنية لقراءة العلاقة بين الإصلاحات التقويمية، والهوية الكنسية، ورغبة بعض الجماعات في الحفاظ على ما تعتبره «إيقاعاً زمنياً تقليدياً» خاصاً بها.

في الواقع المعاصر، يبقى عيد البشارة مناسبة تحمل بعداً روحياً وثقافياً في آن واحد. على المستوى الروحي، يُستحضر كعيد للبداية ولـ«القول نعم» في وجه المجهول، وهو معنى يُعاد توظيفه في خطابات وعظية ولاهوتية معاصرة تربط بين قصة مريم وأسئلة الإيمان في زمن متحوّل. وعلى المستوى الثقافي، يوفر العيد تقاطعاً مع الفنون البصرية والموسيقية والأدب، حيث تُعدّ مشاهد البشارة من أكثر الموضوعات حضوراً في الأيقونة البيزنطية والرسم الغربي على السواء، كما تحضر في القطع الموسيقية الليتورجية المخصّصة لهذا اليوم في الكنائس الشرقية والغربية. في السياق الإعلامي، يمكن أن يشكل هذا العيد مدخلاً لمعالجة أوسع لمسألة التعدد التقويمي في المسيحية، وكيفية تأثيره على تواريخ الأعياد، وعلى الحوار بين الكنائس، وعلى تمثيل الزمن المقدس في مجتمعات علمانية منفصلة نسبياً عن الإيقاع الليتورجي لكن ما تزال مناسبات مثل البشارة والميلاد تترك أثراً واضحاً في تقويمها الرمزي والثقافي.




المصدر : https://www.soubha.com/calendrier-religions/i/9560...



Rss
Mobile